المنظر والمفكر الجزائري عبد الرحمن عزي في حوار حصري لمدونة "عن كثب": نظرية الحتمية القيمية ستصبح من النظريات المعيارية الأساسية

في تقليد نادر على الساحة الأكاديمية العربية والجزائرية، وبمبادرة الدكتور العربي بوعمامة (الذي يعتبره عزي أهم منه لأنه قام ويقوم بدور محوري في نشر أفكار النظرية وجمع المهتمين بها في فضاء المؤتمرات المنعقدة ولأنه جسد الفكر القيمي في مدرسة مستغانم)، انعقد المؤتمر الرابع حول نظرية الحتمية القيمية، حيث شهد نقلة نوعية من حيث طبيعة الاهتمامات ومستوى المداخلات.
على إثر هذه المناسبة، يسعدني أن أقدم للمهتمين من باحثين أساتذة وطلبة، هذا الحوار مع المفكر والمنظر الجزائري عبد الرحمن عزي، لمعرفة انطباعه حول المؤتمر ومداخلات المشاركين، ومناقشة التوجه الابيستمولوجي والمنهجي للنظرية، بالاظافة إلى مبادرة الدكتور بوعمامة الأخيرة والمتمثلة في أنشاء كرسي  بجامعة مستغانم باسمه عبد الرحمن عزي، وجائزة تمنح سنويا تعني بالأبحاث والدراسات حول نظرية الحتمية القيمية، وأخيرا، سنحاول استشراف مستقبل النظرية من خلال رؤية مُنظِرنا وضيف مدونة "عن كثب".

أجرى الحوار: باديس لونيس 

مدونة "عن كثب":

شاركتم مؤخرا في فعاليات المؤتمر الرابع لنظرية الحتمية القيمية، ما هي الانطباعات التي خرجتم بها من هذا المؤتمر الدولي؟

البروفيسور عزي:

نشكر لكم أسئلتم واهتمامكم وعنايتكم وذلك من فضلكم.
أصبح الآن تراكما معرفيا في المجال يسمح بالانتقال من سؤال ماذا (أي أسس النظرية) إلى سؤال كيف؟  (أي تطبيقاتها في الإعلام والوسائط الجديدة).  وما يزال جو النقاش و"الحماس" قائما حول ما تطرحه النظرية من أسئلة وتحديات مع هيمنة التكنولوجيا وسطو الوسيلة وسيادة السرد التجاري والدعائي والغرائزي في تلك الوسائل، أي "تعثر الرسالة في عصر الوسيلة" رغم وجود استثناءات محدودة تخرج عن هذا السياق. وقد تنوعت البحوث مما جعل التجربة ثرية وهادفة. ولعل ما يميز ملتقيات مدرسة مستغانم للإعلام عن غيرها أن مضمونها من العلم النافع وهدفها نبيل ومنها الرقي بالمعرفة والمجتمع من الناحية الحضارية والإنسانية. وتنفرد هذه الملتقيات أيضا بحضور ممثلي المجتمع المدني والممارسين المهنيين بالمنطقة مما يجعل المناسبة حدثا اجتماعيا وليس نشاطا جامعيا فحسب. وقد برز في هذا المؤتمر الرابع جيل جديد أو جيل ثاني بتعبيرالدكتور العربي بوعمامة حيث تنوعت إشكالات الدراسة انطلاقامن الرؤية النظرية القيمية وتناولت طبيعة الرأسمال الرمزي وتأثيراته أو تفاعله مع المخيال الإعلامي إضافة إلى اجتهادات من أساتذة وباحثين حضورا من جامعات الوطن وخارجه (مصر والأردن.)والانطباع الذي خرجت به أن هناك ضوء ساطع في تلك المدرسة (مدرسة مستغانم للإعلام) لا تجده في مؤسسات جامعية أخرى.  ولا شك أن الانشغال والاشتغال بالقيمة وتجلياتها في الواقع (والإعلام مثال عن ذلك) شأن عظيم يغير بنفس صاحبه ومن يحيط به ويرقي بهم وبوسائلهم من الناحية المعرفية والحضارية.  

مدونة عن "كثب":

صرحتم خلال المؤتمر، أنكم قد لاحظتم تطورا نوعيا في أبحاث ومداخلات المشاركين، هل يمكن تحديد نقاط هذا التطور؟

البروفيسور عزي:

تعددت وتنوعت الأبحاث المقدمة وتناولت مسائل الاستخدام القيمي وغير القيمي لمواقع التواصل الاجتماعي، الصورة الصحفية، مواقع الفيديو، الخطاب المرئي، الضوابط الأخلاقية في الوسائط الجديدة، الزمن الإعلامي، صناعة المخيال الإعلامي، الواجب الأخلاقي، اللغة والقيم، خطاب المدونات، التغير القيمي في الزمن الرقمي، الاغتراب القيمي، البناء القيمي والحملات، الاتصال السياسي والمقاربة الأخلاقية، العنف الرمزي في الوسائط الجديدة، وسؤال القيم في الإعلام الجديد. ولم أتمكن من الإطلاع عليها كلها لكنني شاركت في الجلسة الأولي من اليوم الثاني حيث استمعت إلى مداخلات قيمة طرحت مفاهيم جديدة ومنها مداخلة منال كبور حول نموذج تحول المعلومة أو الرأي إلى موقف واتجاه ومخيال، ومداخلة باديس لونيس حول منهج التأويل القيمي ومداخلة غوثي عطاله حول الوساطة الإعلامية والبعد القيمي ومداخلة رقاد حليمة حول الاغتراب (أو العزلة) القيمية ومداخلة ناريمان حداد حول تأثيرات الفايسبوك قيميا على الطلبة،  فكانت هذه البحوث تحمل لغة وطريقة جديدة في التفكير والدراسة والتحليل تربط الإعلام بما كان مفقودا أو منسيا،  أي المنظومة القيمية والسياق الاجتماعي الحضاري. 

مدونة "عن كثب":

صرحتم خلال تعقيب لكم أثناء المؤتمر، بأن كتاب "منهجية الحتمية القيمية" يمكن اعتباره نتاج تساؤلات الطلبة، هل هذا التصريح يعتبر تراجعا عن التوجه التكميمي للنظرية، لحساب التوجه الكيفي؟ ولماذا؟

البروفيسور عزي:

الكتاب كان ضروريا حيث أن أي نظرية إنما تستوفي شروطها إن كان لها وقع في الوضع أو الواقع (الممارسة)، أي تحقيق ذلك الربط بين الفكر والعقل والفعل، أو بتعبير مالك بن نبي الربط بين المجرد والمجسد. وليس متوقعا أو متاحا في سلم المعرفة أن ينشغل الكثير بالتنظيروإنما ومثلما يقول أرلوند طوينبي فإن الأهم "تحويل الأفكار "القليلة" أو "النخبوية" إلى نظم تسري بها في ثنايا الفروع المتنوعة لأشكال الحياة. وما يهمنا أن ينطلق الباحث "الشاب" من افتراضات نظرية الحتمية ومقياسها (ع.س.ن) ويحولها إلى أدوات مفاهيمية وإجراءات في تحليل المضمون ودراسة الجمهور ودراسة الحالة. و يتحمل منهج الحتمية القيمية "الكم" أيضا بوصفه بداية التحليل وليس نهايته أو حصرا عليه  وإنما "الكيف" يكون أكثر تطورا إذ يربط بين النص أو الصورة (تحليل المضمون) أو نص الجمهور (دراسة الجمهور) أو دراسة الحالة بالأبعاد الكامنة في تلك النصوص أي نظام القيم والسياق الاجتماعي والتاريخي والحضاري. وقد فتح كتاب منهجية الحتمية القيمية في الإعلام نوافذ كثيرة للبحث الإعلامي القيمي وما سكت عنه الكتاب يكمله الباحث "الشاب" باجتهاده وإبداعه بالربط التي يتضمن الصدق والثبات بين أسس النظرية وما ينتجه العالم الرمزي من نصوص أو دلائل (من الدال والمدلول) أو معاني ظاهرة أو ضمنية. ويمكن على سبيل المثال أن يوظف الباحث في مجال الإعلام والاتصال (العلاقات العامة) والإعلان الاستبيان (السائل، أي من وجهة نظر الباحث) والمقابلة المعمقة (المساءل، أي قصد الوصول إلى حقيقة المبحوث) وربط ذلك بسياق القيمة واالمجال الاجتماعي الحضاري.ولعل الصعوبة تظهر في الجزء الخاص بالربط إذ أن ذلك يتوقف على إمكانية الباحث من حيث معرفته بالأصول المعرفية، أي تراثه القيمي والثقافي والتاريخي،  والمعرفة المعاصرة المتجددة– والأدوات القائمة أو المستحدثة  في معالجه الظاهرة بأبعادها المتنوعة. وقد أدى الإخفاق في مواجهة هذا الصعوبة في الكثير من البحوث الإمبريقية ذات المرجعيات المختلفة إلى الحل الأسهل والأسرع والاكتفاء بالرقم دون المعنى على حساب البحث والمعرفة الحقيقية، أي التحول من البحث الهادف إلى البحث "الوسائلي" الذي أشبه ما يكون بالبحث من أجل البحث. فمنهجية البحث الإعلامي القيمي لا تتوقف عند الكم (التفسير) ولكنها تشترط الكيف (التأويل) الذي يضع الظاهرة الإعلامية في سياق أوسع من المعاني. 

مدونة "عن كثب":

من بين المبادرات الجديدة التي أعلن عنها مدير مخبر الاتصال الدكتور بوعمامة، كرسي عبد الرحمن عزي، وجائزة التنظير الإعلامي، كيف تعلقون على هذه المبادرة؟

البروفيسور عزي:

ذكرت في رسالة إلى المجلس العلمي بجامعة مستغانم إنه لمن دواعي الشرف والإعتزار أن تفكر جامعة مستغانم الموقرة في إنشاء كرسي باسمنا تكريسا للجهود العلمية الهادفة في دراسات الإعلام القيمي انطلاقا من الخصوصية الثقافية والتاريخية للمنطقة وتفاعلا بشكل إيجابي مع المعرفة المعاصرة. إن هذه المبادرة ستثري المجال العلمي والمعرفي وبالأخص الدراسات الإعلامية بأنواعها وبالأخص علاقة الإعلام (النظام الإعلامي) بالمنظومة القيمية (النظام الأخلاقي). فالطرح الجديد لتراث نظرية الحتمية القيمية في الإعلام متميز عن غيره من أنه قراءة متجددة للقيمة وبوصفها المرجع في دراسة الظاهرة الإعلامية الاتصالية من جهة و تفاعلا بشكل بناء مع التراث الانساني من جهة أخرى.  وكان لقسم الاعلام بجامعة مستغانم برئاسة د. العربي بوعمامة الأثر البالغ في إبراز هذا الجهد من خلال عقد المؤتمر الوطني الخاص بنظرية الحتمية القيمية في الإعلام قبل أربع سنوات  وما تبعه بعد ذلك من جهود وإنتاج نظري وتطبيقي. وقد تحول هذا الانشغال العلمي وعقد المؤتمرات حوله تقليدا حميدا بالجامعة أسهم في إثراء الموضوع والدراسات والأبحاث ومن ذلك الدراسات على مستوى الماجستير والدكتوراه. وتعد فكرة الكرسي تقليدا جامعيا عريقا من أهدافه استقطاب الباحثين المتميزين في مجال التنظير الإعلامي القيمي وأبحاثه للتدريس كزائرين  وعقد ندوات وملتقيات ونشر دراسات، الخ. وقد بادر الكرسي إلى طرح جائزة التنظير الإعلامي القيمي انطلاقا من نفس الهدف.

مدونة "عن كثب":

كيف تستشرفون مستقبل نظرية الحتمية القيمية ونظرياتها الجزئية، في ظل التحديات الفكرية والمستحدثات التكنولوجية الراهنة؟

البروفيسور عزي:

أعتقد أن النظرية ستصبح من النظريات المعيارية الأساسية حيث أن "مركزية المسألة الأخلاقية" سر تطور أي مجتمع أو حضارة.  ويمكن فهم "التفكك"وتعطل الفعل الاجتماعي "الفعال" (من الفاعلية بتعبير مالك بن نبي) في المجتمعات الانتقالية وأزمات المجتمع المعاصر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والإعلامية بعامل اهتزاز القيمة أو إبعادها واستبعادها من التفكير والمداولة العقلية والسلوك أو التخلي عنها جزئيا أو كليا. وعليه، كلما ازداد الوضع الإعلامي بعدا عن المرجعية القيمية والأخلاقية برزت الحاجة إلى  الحتمية القيمية من جديد. ويقابل هذه الطرح "نظرة تشاؤمية" مفادها أن المجتمع المستقبلي قد يتخلى عن "الروح" تماما وتصبح ديانته المادة لا غير، وفي هذه الحالة تصبح الحتمية القيمية أمرا معياريا جانبيا. وينتاب هذه النظرة العدمية "شك كبير" على اعتبار أن الفطرة الانسانية تأبى هذا المنحنى ثم أن هذا الإنحدار نحو المادية البحتة طور من أطوار المجتمع أو الحضارة، أي أنه طور ظرفي يعقبه طور آخر من جهة "وتلك الأيام نداولها بين الناس" وعلى ما نقرؤه في الدورة الحضارية لمالك بن بني أو الدورة التعاقبية لابن خلدون. 
وتتطور نظرية الحتمية القيمية مسقبلا في اتجاهات أربع:1)إجراء المزيد من الدراسات الميدانية بالاعتماد على منهج التأويل (الكيف) والتفسير (الكم) سواء تعلق الأمر بتحليل مضمون وسائل الإعلام والوسائط الجديدة أو دراسة جمهور تلك الوسائل عن طريق الاستبيان والمقابلات "المعمقة" أو "الملاحظة والمشاركة" (participant observation) أو الدراسات الحقلية (fieldresearch) ، الخ أو عن طريق دراسة حالة (case studies)  - وذلك انطلاقا من رؤية قيمية، أي مدى ارتباط  النص أو المتلقي بالمرجعية القيمية والأخلاقية.2)توليد مفاهيمونماذج  جديدة انطلاقا من نظرية الحتمية القيمية، فقد تم تداول مفاهيم ونماذج بيانية جديدة في المؤتمر الرابع مثل "الواجب الأخلاقي" و"السرد الأخلاقي" و"الاغتراب القيمي" و"التأويل القيمي" كما تم طرح نموذج بياني عن عملية التدرج والتحول من "الخبر" أو "المعلومة" إلى الرأي والموقف والمخيال الإعلامي وكلها تعد محطات تراكمية في إثراء هذا التقليد المتجدد من البحث الإعلامي القيمي. 3)بروز نظريات فرعية  من الحتمية القيمية مثل نظرية الواجب الأخلاقي في الممارسة الإعلامية، و 4)امتداد نظرية الحتمية القيمية إلى النظريات المعايرية وغير المعيارية في مجال الإعلام أو خارجه. فقد اعتبر ماكسويل ماكومب، صاحب نظرية "الأجندة" (agenda setting)   (تحديد الأولويات) أن "الإطار النظري للحتمية القيمية  يمكن تطبيقه على نظرية تحديد الأولويات في الإعلام من زاوية أجندة القيم ، وليس فقط في الرسائل الإعلامية (الأخبار والترفيه) ولكن في مجالات أخرى حول محتويات الاتصال عامة." وتتقاطع نظرية الحتمية القيمية مع نظرية أخلاق التآلف الاجتماعي (communitarian media ethics)  لكليفورد كريستنز الذي يعتبر أن نظرية الحتمية القيمية تعيد ذلك التناغم "المفقود" بين الروح والعقل والجسد"  ويرى أنه "بدلا من فصل  الفلسفة الأخلاقية  كما درج عليه في السابق  بجعل الإيمان والفلسفة عدوين ، واستخلاص استنتاجات سطحية من مسار واحد فقط، تمكنتم  (إشارة إلى الحتمية القيمية)  من  إثبات مقنع  كيف أنها تتقاطع وتعتمد على بعضها البعض."وحديثا، فإن النظرية التنموية في الإعلام أصبحت مقرونةالقيم بعد أن اتضح أن التركيزعلى الاقتصاد فحسب  وتوظيف الإعلام في ذلك لم يحقق التنمية المنشودة من أصحابه وذلك من خلال إسهامات الفيلسوف دافيد كروكر الذي طرح مفهوم أخلاقيات التنمية (development ethics)  المتضمنة لقيم الكرامة الإنسانية والعدل والرقي الإنساني والعناية والرحمة والمشاركة والادراج (مقابل الاقصاء)  في التنمية... ويضاف إلى هذه العناصر الأربعة جهود متواصلة من الجيل الأول أمثال الدكتور بومعيزة والدكتور نصير بوعلي والدكتور محمود قالندر  الذين يعملون على بيان الجوانب المتنوعة في الحتمية القيمية من الناحيتين النظرية والمنهج

* أجري الحوار بالتنسيق مع كرسي عزي