ألعاب الفيديو تعزز كفاءة الدماغ ما لم نسقط في فخ الإدمان

أفادت دراسة دولية حديثة بأن ألعاب الفيديو يمكن أن تؤثر إيجابيّا على مناطق الدماغ المسؤولة عن الاهتمام والمهارات البصرية وتجعلها أكثر كفاءة، لكن الأمر لا يخلو من الجوانب السلبية المتعلقة بخطر الإدمان.
أجرى الدراسة باحثون بكلية العلوم الصحية في جامعة كاتالونيا المفتوحة في إسبانيا، ومستشفى ماساتشوستس العام في بوسطن بالولايات المتحدة، ونشروا نتائجها في دورية فرونتييرز إن هيومن نوروساينس العلمية.

وللتحقق من تأثير ألعاب الفيديو على هيكل ونشاط الدماغ، تابع الباحثون نتائج 116 دراسة علمية أجريت في هذا الشأن، بينها 22 دراسة رصدت التغيرات الهيكلية في الدماغ، و94 دراسة راقبت التغيرات في وظائف الدماغ أو السلوك.
ووجد الباحثون أن ألعاب الفيديو يمكن أن تغير كيفية أداء أدمغتنا، وحتى هيكلها، وتؤثر على اهتماماتنا، حيث اكتشفوا أن مناطق الدماغ المشاركة في الاهتمام والمكافأة أكثر كفاءة لدى من يمارسون ألعاب الفيديو.
وأثبتت النتائج أيضًا أن ألعاب الفيديو يمكن أن تزيد من حجم وكفاءة مناطق الدماغ المتعلقة بالذاكرة المكانية، حيث تؤدي إلى توسيع منطقة الحصين الأيمن.
لكن فى المقابل، وجد الباحثون أن ألعاب الفيديو يمكن أيضًا أن تؤدي إلى إدمان ما يسمى “اضطراب ألعاب الإنترنت”.
واكتشفوا أن ألعاب الفيديو تحدث تغيرات وظيفية وهيكلية في نظام المكافآت العصبية لدى مدمني تلك الألعاب، وهذه التغيرات العصبية تماثل تلك التي تظهر في اضطرابات الإدمان الأخرى مثل إدمان الكحول والتدخين وغيرهما.
وقال قائد فريق البحث، مارك بالوس “على مر السنين، تناولت وسائل الإعلام المختلفة الادعاءات المثيرة حول أضرار وفوائد ألعاب الفيديو وتأثيرها على صحتنا وسعادتنا، ولكن دون بيانات حقيقية تدعم هذه الادعاءات”.
وأضاف “ركزت دراستنا على كيفية تفاعل الدماغ مع ممارسة ألعاب الفيديو، ولكن مجال البحث في آثار ألعاب الفيديو لا يزال في مهده، وما زلنا نبحث عن كيفية تأثير ألعاب الفيديو على مناطق الدماغ المختلفة”.
واختتم حديثه بالقول “من المرجح أن ألعاب الفيديو إيجابية في ما يتعلق بالاهتمام والمهارات البصرية والحركية، لكن لها جوانب سلبية تتعلق بخطر الإدمان، ومن الضروري أن نستوعب هذا التعقيد”.
ألعاب الفيديو تزيد من حجم وكفاءة مناطق الدماغ المتعلقة بالذاكرة المكانية وتؤدي إلى توسيع منطقة الحصين الأيمن
وكانت دراسة ألمانية أخرى قد زعمت أن ممارسة ألعاب الفيديو بصورة دورية يمكن أن تحسن بعض القدرات الذهنية كتنشيط الذاكرة والقدرة على توجيه الجسم والتفكير الإستراتيجي وتناقض هذه المزاعم توصيات سابقة تحذر من الألعاب الإلكترونية ومخاطرها على نمو الطفل وقدراته الذهنية.
أجرى هذه الدراسة علماء من معهد ماكس بلانك للأبحاث التربوية ومستشفى الطب النفسي الجامعي التابع لمستشفى شاريتيه بالعاصمة الألمانية برلين، حيث تم السماح لمجموعة من الأشخاص البالغين بممارسة لعبة الفيديو “سوبر ماريو 64” يوميا لمدة نصف ساعة كاملة على مدار أكثر من شهرين.
وبمقارنة القدرات الذهنية لهذه المجموعة مع نظيرتها التي لم يتم السماح لها بممارسة ألعاب الفيديو، تبين حدوث اتساعات في مناطق معينة من المخ لا تتحكم في الذاكرة وتوجيه الجسم فقط، وإنما تتحكم أيضا في المهارات الحركية الدقيقة لليدين.
ولتكون الألعاب معزِّزة للقدرات الذهنية يشترط العلماء أن تكون مسلية وغير مملة، لأنه كلما ازداد شعور اللاعب بالمتعة أثناء المغامرة التي يعيشها عند ممارسة ألعاب الفيديو، ازداد التأثير على قدراته الذهنية.
وتناقض هذه النتائج معطيات دراسات سابقة وجدت تأثيرات سلبية لألعاب الفيديو على تطور الطفل وسلوكه، وطالبت بتحديد عدد الساعات التي يقضيها الأطفال في ممارسة هذه الألعاب.
قال أحد الخبراء البريطانيين إن ألعاب الفيديو قد تخفف الألم وتحول انتباه المرضى الذين يخضعون لعلاج كيميائي للسرطان وتساعد في اكتساب مهارات، وذلك رغم تقارير تفيد بأنها قد تدفع الأطفال والمراهقين إلى اتباع سلوك عنيف.
وفي حالات مرضى مصابين بعلل في الذراع استخدمت ألعاب الكمبيوتر لتعزيز القوة والبراعة، بينما استخدمت في حالات أطفال يعانون من عدم القدرة على التعلم لتنمية قدراتهم. وقال الباحث في جامعة نوتنغهام البروفسور مارك جريفثز في مقال افتتاحي بالدورية الطبية البريطانية “درجة الانتباه اللازمة لممارسة هذه الألعاب قد تصرف انتباه اللاعب عن الإحساس بالألم”.
ويوضح أن لها فوائد علاجية كذلك لنوعية من البالغين بينهم مستخدمو المقاعد المتحركة المصابون بعلل في الحبل الشوكي والمصابون بحروق بالغة وضمور العضلات.
ورغم الحديث -على نطاق واسع- عن الآثار السلبية لهذه الألعاب مثل ألم المعصم والهذيان واعتلال المزاج المتكرر، فإن الباحث يرى أن هذه الآثار مؤقتة وقد تنجم عن أسباب أخرى. وأضاف قوله “يبدو أن بعض هذه الآثار السلبية نادرة، وينتهي الكثير منها حين يتوقف المرضى عن ممارسة اللعبة”.
ودعا جريفثز إلى إجراء المزيد من الدراسات على الآثار طويلة الأمد لألعاب الفيديو وما ينجم عن الإفراط في ممارستها.
ويظل الإدمان على ممارسة ألعاب الفيديو أكبر خطر يحدق بالأطفال؛ إذ يؤدي الإفراط في اللعب بألعاب الفيديو عند الأطفال إلى الاكتئاب والقلق، وتراجع الأداء في المدرسة، وفق ما كشفته دراسة أميركية.
وأفادت شبكة “سي إن إن” الأميركية بأن الباحثين وجدوا أثناء إعداد الدراسة التي شملت ثلاثة آلاف طفل بالمرحلة الابتدائية المتوسطة في سنغافورة، أن قرابة 9 بالمئة منهم مدمنون على ألعاب الفيديو، إلى جانب نسبة مماثلة في دول أخرى.
ووجدت الدراسة بعد عامين أن 84 بالمئة ممن صنفوا عند بداية الدراسة على أنهم مفرطون في اللعب، ظلوا مدمنين من دون تغيير، وظهر أن أعراض الإدمان تصيب عادة الصبيان.
وتوصل الباحثون إلى أن تلك الفئة بدت عليها أعراض اكتئاب بمعدلات عالية بالإضافة إلى مشاكل أخرى تتعلق بالصحة العقلية والأداء الدراسي، مقارنة بسواهم ممن لعبوا باعتدال.