حوار مع الباحث الجزائري عاشور فني بمناسبة صدور كتابه الجديد; من الصناعات الثقافية إلى الصناعات الاعلامية

في هذا الحوار، يتحدث الكاتب والشاعر والأكاديمي والمحاضر، الدكتور عاشور فني، عن الصناعات الثقافية والصناعات الإعلامية. والتي تناولها في كتابه الأخير: «من الصناعات الثقافية إلى الصناعات الإعلامية»، الصادر في الآونة الأخيرة، عن منشورات «دار الوطن اليوم»، ضمن سلسلة «كِتاب الجيب»، والذي جاء في 78 صفحة، وقسمه المؤلف إلى فصول ثلاثة، هي على التوالي: «نظرية الصناعات الثقافية»، «صناعة وسائل الإعلام»، و”صناعة الإعلام اليوم». رصدّ فيه المؤلف وبشكل عام وفي أكثر من محوّر أهمّ التحوّلات التي عاشها الإعلام. بدءًا من تحولات صناعة الإعلام على المستوى العالمي، وصولا إلى تحولات التنظيم والسوق. وهنا يرى الباحث أنّ تحولات صناعة الإعلام على المستوى العالمي بوصفها تفاعلا بين صناعات أساسية ثلاث (الإلكترونية والاتصالات والإعلام الآلي) جعل منها صناعة ثقيلة بامتياز تتطلب رساميل ضخمة واستراتيجيات طويلة المدى.

كما يرى من جهة أخرى أنّ صناعة الإعلام مرت أيضا بتحوّلات التنظيم من شكل الصحيفة الحرفي البسيط إلى المؤسسات الإعلامية ومجموعات الاتصال العالمية في نطاق عولمة الشبكات الإعلامية الكبرى. كما أوضح أنّ تزايد سيطرة الاتصال على الإعلام أدى إلى هيمنة الوسيلة على الرسالة وهيمنة الشبكة على صناعة المحتوى.
حول هذه التحوّلات والنظريات في الصناعات الثقافية والصناعات الإعلامية، كان هذا الحوار مع الدكتور عاشور فني، والّذي تناول فيه أكثر من محوّر وأكثر من نظرية.
حاورته/ نــوّارة لــحــرش
في كتابك الأخير “من الصناعات الثقافية إلى الصناعات الإعلامية”، تطرقت إلى أكثر المحاور إشكالية في هذا الموضوع، وتناولت الكثير من النظريات الثقافية والإعلامية. ما الّذي يمكن أن تقوله عن نظرية الصناعات الثقافية؟
عاشور فني: ينصرف مسمّى الصناعة الثقافية إلى صنع المحتوى الثقافي ونشره وتوزيعه واستهلاكه بطرق صناعية حديثة في ظلّ النظام الاقتصادي الرأسمالي السائد. فقد نشأت الصناعة الثقافية مع تطبيق نظام الإنتاج الرأسمالي في حقول ثقافية محدّدة في القرن التاسع عشر مثل الكِتاب والصحافة وازدهرت أكثر في القرن العشرين مع الصناعة السينمائية والإذاعة والتلفزيون والمنتجات الفنية المختلفة. وفي النصف الثاني من القرن العشرين لم يعد الأمر يقتصر على المنتجات الثقافية المعهودة من كِتاب وفيلم وموسيقى بل تجاوزها إلى كلّ أنماط الاستهلاك المتعلّق بأوقات الفراغ والتسلية مثل الرياضة ومشاهدة البرامج والعروض المتنوعة. وبقدر ما تطوّرت الصناعات الثقافية وتنوعت فروعها زاد اهتمام الباحثين فتعدّدت المفاهيم والنظريات التي تعالج جوانبها المختلفة.
ولقد أدى تطور الثقافة في العصر الحديث إلى رفعها إلى مصاف الصناعات المتقدمة التي تدخل في الرهانات الإستراتيجية الكبرى في العالم المعاصر، وقد سمح هذا التطوّر بظهور دراسات نظرية مهمة، منها نظرية الصناعات الثقافية التي تميزت بأصالة في طرح مسألة الثقافة والإتصال في المجتمع الحديث. طرحٌ يأخذ بعين الاعتبار الجوانب الصناعية والاقتصادية والتقنية التي تجعل هذه الصناعات جزء من النشاط الاقتصادي والصناعي الحديث، ولكنّه في نفس الوقت، طرحٌ يراعي خصوصيات هذه الصناعات ومميزاتها، وتفردها عن بقية الأنشطة الاقتصادية. وإذا كانت الصناعة الثقافية تتوقف عند حدود صناعة المحتوى فهناك أبعادٌ أوسع تتعلّق بوسائل النشر في العصر الحديث، يمكن تناولها ضمن نظرية صناعة وسائل الإعلام.
ويتميز البحث في الصناعات الثقافية بغلبة الاعتبارات العملية على الطرح النظري، ومع ذلك فقد تميز بحركية معتبرة في ما يتعلّق بالإنتاج النظري واحتدام النقاش حول مسائل عديدة منها طبيعة هذه الصناعات الثقافية، ونطاقها، والسياسة العمومية ونطاق تدخل الدولة في البلدان المختلفة، ومن هنا كثرة الدراسات والتقارير التي أعدتها فِرق بحث في الجامعات الغربية أو تحت إشراف جهات رسمية.
وماذا عن صناعة وسائل الإعلام، أو نظرية الصناعات الإعلامية؟
عاشور فني: قدمت نظرية الصناعات الإعلامية منظومة من المفاهيم تسمح بطرح مفصل للمشكلات الاقتصادية المتعلقة بوسائل الإعلام في المجتمع الحديث، وميزت ضمن هذه الصناعات الإعلامية بين ثلاث أنواع من المنطق هي منطق النشر ومنطق الصحافة المكتوبة ومنطق البث أو التدفق، وعملت على تحديد الفروق بين هذه الصناعات من خلال عدة معايير: الخصائص العامة والوظيفة الرئيسية والدورة الاقتصادية والمهن الإبداعية وعائدات البيع وخصوصيات السوق، وذلك من أجل الوقوف على ما يميز كلّ صناعة من هذه الصناعات.
ينطلق هذا الطرح من فكرة أنّ ما يحدّد أيّة وسيلة إعلام في المجتمع الحديث هو تضافر ثلاث مستويات: سياسي وتكنولوجي واقتصادي. ويقدم تفسيرا لنشأة أيّة وسيلة إعلام وللتحوّلات التي تطرأ عليها، ويحاول تفسير جوانب التطوّر أو القصور في وسائل الإعلام في المجتمعات الصناعية المعروفة بالمجتمعات الديمقراطية بناء على فرضية أنّ المستوى السياسي هو المحدّد النهائي لتطور وسائل الإعلام، وأنّ المستويين الآخرين، التكنولوجي والاقتصادي، هما مستويان ثانويان مكملان.
ولقد شهد صناعة الإعلام تحولات بنيوية خطيرة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ومؤدى هذه التحوّلات جانبان أحدهما تكنولوجي وهو يتمثل في تلاقي ثلاث تكنولوجيات أساسية: الالكترونية والاتصالات السلكية واللاسلكية والإعلام الآلي والآخر نوعي ويتمثل في تزايد سيطرة الاتصال على الإعلام أي هيمنة الوسيلة على الرسالة وهيمنة الشبكة على صناعة المحتوى.
كما ترى فإنّ بفضل هذه التحوّلات الجوهرية ظهرت عِدة تحوّلات على عدة مستويات، وقد تطرقتَ لها في كتابك البحثي الصادر مؤخرا. فهل يمكن أن تتحدّث أكثر عن هذه التحوّلات؟
عاشور فني: نعم هذا صحيح، لقد تناولت في كتابي البحثي هذه التحوّلات. أولا: تحولات صناعة الإعلام، والتي عرفت عدة تحولات يمكن أن نجملها في ما يلي:
صناعة ثقيلة: إذ أصبحت الصناعات الإعلامية كلّها بما فيها صناعة وسائل الإعلام صناعة ثقيلة أي تتطلب تجنيد رساميل ضخمة وتجهيزات كبيرة وتستخدم تكنولوجيات متطوّرة لا تختلف في ذلك عن الصناعات الثقيلة المعهودة الأخرى.
كما نجد صناعة المحتوى: المحتوى هو الرسالة. وقد توسعت الشبكات الناقلة للرسالة فازدادت الحاجة إلى المحتوى. وهنا يتطلب الأمر توفير المحتوى وتجهيزه بالصيغ التقنية والفنية الملائمة لمستوى التطوّر الحالي لوسائل النشر والبث. وقد أصبحت صناعة المحتوى تابعة لصناعة الاتصالات. بقدر ما تتطوّر تكنولوجيات الاتصال تزداد الحاجة إلى تطوير صناعة المحتوى تكنولوجيًا لتلائمها شكليًا من أمثلة ذلك تحوّل الكِتاب إلى محتوى إلكتروني وتحويل الفيلم التناظري إلى رقمي ليتسنى عرضهما على الشبكة العالمية للإنترنيت.
ومن بين الصناعات الأخرى، نجد صناعة التسلية: وقد تميز النصف الثاني من القرن العشرين بتزايد أوقات الفراغ وزيادة الإقبال على الاستهلاك السلعي والخدماتي الجماهيري. وقد رافقت وسائل الإعلام هذا التحوّل مضطرة. فلأنّها في حاجة إلى الإشهار تعمل على كسب جمهور كبيير مغر للمعلنين فتضطر إلى نشر المواد التي تجتذب الجمهور المتعطش للترفيه واللعب فطغت مادة الترفية والتسلية على المضمون الخبري أو الثقافي.
أمّا ثانيا، فهناك: تحوّلات التنظيم: وكما هو متداول فقد عرف الإعلام بداية حرفية مع نشأة الصحافة ثم تحوّل إلى التنظيم الصناعي مع ظهور المجموعات الصحفية والشبكات الإذاعية والتلفزيونية ثم انتقل إلى التنظيم الشبكي مع الإنترنيت وبظهور شبكات التواصل الاجتماعي. ويمكن أن نفرق بين مسارين أساسيين: مسار تطوّر الصحافة المكتوبة ومسار تطوّر الإذاعة والتلفزيون.
ما هو مُلاحظ، أنّ الصحافة المكتوبة، تميّزت بمسارات مختلفة وانتقالها من صحافة المؤسسة إلى المجموعات الصحفية الكبرى، وهذا ما تناولته أيضا في كتابك. فهل من توضيحات أكثر؟
عاشور فني: هذا صحيح، فالصحافة المكتوبة، شهدت تميز مسار تطوّرها بعدة اتجاهات يمكن تلخيصها في الانتقال من الصحيفة إلى المؤسسة الصحفية ثم إلى المجموعات الصحفية الكبرى. فالصحيفة كانت في البداية نشاطا حرفيا يمارسه الناشر بشخصه أو بمساعدة بعض المحررين ويقوم بكلّ المهام بنفسه: (التحرير والتصحيح والطباعة والتوزيع). وسرعان ما توسع نشاط الصحف فاتخذ شكل مؤسسة منظمة لها إدارة وتقوم على تقسيم المهام والفصل بين مهام النشر ومهام التحرير ومهام الإدارة ومهام الطباعة ومهام التوزيع وكان ذلك بداية تحوّل الصحافة من نشاط حرفي بسيط إلى نشاط صناعي. وفي مرحلة تالية ازدهرت المؤسسات الصحفية وبدأ الانتقال إلى تشكيل مجموعات صحفية تستولي على مراحل النشاط المختلفة: (النشر والتوزيع والطباعة). وهكذا ظهرت المجموعات الصحفية.
وعلى عكس الصحافة المكتوبة مثلا، التي كانت بدايتها نشاطا حرفيا بسيطا ثم تحوّلت إلى صناعة فإنّ الإذاعة والتلفزيون نشأتا نشاطا صناعيا من البداية نظرا للمستوى التكنولوجي الّذي انطلقتا منه. فإذا كانت الصحافة المكتوبة ارتبطت بالمطبعة أي بمستوى الصناعة الميكانيكية فإنّ الإذاعة (في بداية القرن العشرين) والتلفزيون (في منتصف القرن) ارتبطتا بصناعتين متطورتين وهما الصناعة الإلكترونية وصناعة الاتصالات السلكية واللاسلكية. وبعد نصف قرن من التحوّلات وظهور صناعة الإعلام الآلي تم الانتقال إلى نظام الشبكة في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين.
كيف ترى ترى أفق صناعة الإعلام اليوم، وما حدود العلاقة بين الإعلام والاتصال؟
عاشور فني: بداية ينبغي التفرقة بين الإعلام والاتصال لفهم تطوّر العلاقة بينهما في خضم التحوّلات الجارية حاليا. فقد انتقلت وسائل الإعلام من أداء وظيفة إعلامية إلى الميل إلى القيام بوظيفة اتصالية. ويبين ذلك تحوّلات هيكلية في صناعة الإعلام على مدى قرن من الزمن. ومنها أولا: تحوّلات صناعة الإعلام على المستوى العالمي بوصفها تفاعلا بين صناعات أساسية ثلاث (الإلكترونية والاتصالات والإعلام الآلي) جعل منها صناعة ثقيلة بامتياز تتطلب رساميل ضخمة واستراتيجيات طويلة المدى وتدخل الدول والمؤسسات والهيئات العمومية.
ثانيا: تحوّلات التنظيم من شكل الصحيفة الحرفي البسيط إلى المؤسسات الإعلامية ومجموعات الاتصال العالمية في نطاق عولمة الشبكات الإعلامية الكبرى.
ثالثا: تحوّلات السوق من شكلها التنافسي البسيط إلى شكلها المزدوج بين سوق الجمهور وسوق المعلنين من جهة وسوق المنافسة الاحتكارية بين قطبين: أقطاب إعلامية (المجموعات الصحفية والشبكات والقنوات) وأقطاب الاتصال (المجموعات الاتصالية). كلّ هذه التحولات أفضت إلى نتائج خطيرة على الممارسة الإعلامية اليوم، منها سيطرة مجموعات الاتصال (المعلنين) على وسائل الإعلام منذ منتصف القرن العشرين وتحوّل مركز الثقل إلى شبكات الاتصالات منذ نهاية التسعينيات حيث ابتلعت شبكات الاتصال مجموعات الإعلام مما يؤكد نزعة استحواذ مُلاك شبكات الاتصالات على صناعة المحتوى. كما تحوّل الجمهور من استهلاك وسائل الإعلام المعروفة (صحافة إذاعة تلفزيون) إلى استعمال وسائل وتكنولوجيات الاتصال (الحاسوب-الهاتف الذكي-واللوح الإلكتروني) للوصول إلى المعلومات.
لقد انتهى زمن سيطرة المرسل على المتلقي وتأثير القناة على الجمهور. بدلا من سؤال (ماذا تفعل وسائل الإعلام بالجمهور؟) يُطرح السؤال (ماذا يفعل الجمهور بوسائل الإعلام؟). كما نلاحظ هيمنة الاتصال على الإعلام وتحوّل وظيفة وسائل الإعلام من السعي لنقل الوقائع وشرحها إلى العمل على إنتاج الرضا بالواقع والقبول به أو إلى السعي لإحداث التغيير عن طريق الإقناع أو الإغراء والتحريض. فتحوّلت وسائل الإعلام إلى جزء من مشكلة الواقع وعنصر في تأزماته.
وماذا عن الإعلام في الجزائر؟
عاشور فني: في الجزائر ما يزال الإعلام حقلا مُلحقا بالسياسة ولم يظهر كنشاط اجتماعي مستقل إلاّ في فترة وجيزة، لكن سرعان ما عاد إلى الوضع الّذي يجعله خاضعا للمستوى السياسي بالمعنى الضيق. تعمل القوانين على تحديد المبادئ الكُبرى للنشاط لكن المؤسسات تخضع لميدان التنظيم مِمَا يجعلها تحت الضغط المباشر للسلطة التنفيذية: فالقانون كان لا يسمح بإنشاء القنوات غير أنّ الإدارة تمنح ترخيصا للقنوات باعتبارها قنوات أجنبية تبث ما تريد لكن يمكن وقفها لأي سبب. هكذا ضاعت الغاية من وسيلة الإعلام وهي تلبية طلب اجتماعي قائم: أي تقديم خدمة إعلامية لجمهور محدّد. أصبح الاتصال هو هدف نشاط وسائل الإعلام للحصول على عائدات الإشهار. فالتفكير في المورد الإشهاري يسبق التفكير في الجمهور الّذي تتوّجه إليه أية وسيلة إعلامية يتمُّ إنشاؤها. ويرتبط ذلك الإنشاء بالمواعيد السياسية والإنتخابية تماما كإنشاء الأحزاب والجمعيات. والنتيجة أنّه في حالة الجزائر تمّ إخضاع الإعلام للاتصال دون أن يسمح له بالتحوّل إلى المرحلة الصناعية.
المصدر: موقع فني زاد