النقد بين ابن خلدون و مدرسة فرانكفورت.

د. معتوق فتحية
كلية علوم الاعلام و الاتصال – جامعة الجزائر 3

ان الدراسة الموضوعية لآثار ابن خلدون في التاريخ و البداوة و العصبية و الحضارة تبين كيف سبق هذا ألمفكر و على نطاق واسع ، الفكر النقدي الذي أنجزته مدرسة فرانكفورت الالمانية التي تمثل  جوهرها في نقد المجتمع . في هذا الاطار ، تميز فكر ابن خلدون بالتأمل المعقول في  الافكار و الاخبار و المواقف و فحص حقيقتها  ثم اصدار الحكم حول قيمتها .و فعلا ، فكر ابن خلدون في المعلومات المتوفرة في محيطه  العقائدي و الاجتماعي و السياسي ،و انتقد الاوضاع المرتبطة بها بناء على القدرات المعرفية التي كانت لديه ،ثم طرح الاحكام في كتب قيمة أبرز مضمونها مهارته في طرح المشاكل  وقدرته على التأمل و التفكير و اعادة التفكير في قضايا المجتمعات العربية ، فضلا عن  صدق و قوة الادلة التي اعتمد عليها في تفكيك  الواقع و الابتعاد عن السطحية و التعمق في محاكمة المسلمات و مناقشتها .

ان ما كتبه ابن خلدون يكشف ان الواقع معقد ،و أن ممارسة النقد يعني اتخاذ موقف سلبي يهدف أساسا الى توجيه المعرفة الذاتية نحو المجتمع و نحو مصلحة عقلانية ايجابية تكشف بدورها جوانب الخلل في المجتمع .و لا شك أن مدرسة فرانكفورت الالمانية و النظرية النقدية كبديل للفلسفة القديمة و علم الاجتماع الوضعي و الامبريقية  قد سارت في هذا الاتجاه حين قامت بنقد المجتمع الصناعي البورجوازي و عقلانية التكنولوجية و ما يرتبط بها من ايديولوجية .

مقدمة:
حين نتحدث عن مفكر مثل ابن خلدون الذي عاش في القرن الرابع عشر ميلادي (1332-1406)، نتحدث مباشرة عن تلك التصرفات الشخصية المتميزة و ذلك الاتجاه الفكري القوي نحو المخاطرة الشخصية الهامة . كما يؤدي  بنا هذا الحديث الى الوقوف على النتائج الفكرية لللاتحفظ و الصراحة في الجهد و المجازفة و الميل الى قول اشياء عن الحضارة الاسلامية  و التاريخ العربي  و البداوة و العصبية    و العمران...الخ ،  بأسلوب نقدي واضح قدم من خلاله مفكرنا أراء وجيهة حول الاخرين ،  و بطريقة ركزت على القضايا ذات الصلة بالمجتمعات العربية الاسلامية . لذلك ، كان  الاهتمام الخلدوني  وراء بروز خصائص السياق الثقافي و السياسي و الاجتماعي لهذه المجتمعات التي تفاعل مفكرها ابن خلدون مع الملوك و السلاطين و الامراء و القبائل في مرحلة تاريخية متقلبة الاوضاع في جميع الميادين ، و نقصد بذلك مرحلة تراجع الحضارة العربية الاسلامية و تقهقرها أمام نهضة اوروبا .
تمثل المشروع الفكري لابن خلدون في فهم كيفيات و أسباب الاضطرابات والانحلال و التجزئة و التفكك و عدم الاستقرار و المؤامرة   و غيرها من الاحداث التي كانت أحيانا تهز العالم العربي الاسلامي بحده  و بشكل مأساوي .في الحقيقة ، اراد ابن خلدون مسائلة هذه المجتمعات التي كان نفسه يتطور فيها ، الامر الذي جعله مورطا في العديد من الاوضاع و معنيا بها .ففي بيئة مأساوية  ، أسس أفكاره معتمدا على عقلية نقدية جعلته يبذل جهد كبير في وصف الاعمال و الاحوال و ذكر سلبياتها حول مسائل جوهرية واضحة . و لم يكن هدفه اسقاط الاخرين ، و انما انتقادهم و اكتشاف الاخطاء و ابرازها  بعيدا عن الهوى و الاحكام المسبقة . لقد بنى  ابن خلدون نقده على اصول شرعية و عقلية بينت ان معرفته بالقضايا التي انتقدها لا تتسم بالقصور و السطحية ، و انما تشير الى التقصير في الواجبات و الوقوع في المنكرات و غيرها من العوامل التي كان لها تأثيرا كبيرا في تخلف الامة و تأزم أوضاعها  في مرحلة انحطاطها  الحضاري.
  وعلى هذا الأساس  ، تبين  الدراسة الموضوعية لآثار ابن خلدون في التاريخ و البداوة   و العصبية و الحضارة  ، كيف طرح هذا ألمفكر و على نطاق واسع ، الفكر النقدي الذي استمر في التطور بعد قرون طويلة و في مجتمعات مغايرة ، بفضل  مدرسة فرانكفورت الالمانية التي تمثل جوهرها في نقد المجتمع الغربي .لقد  استخدم ابن خلدون مفاهيم و اطروحات و تصورات نشأت في بيئة عربية و عبرت عن بعدها الديني  الشرعي.كما  تميز فكره  بالتأمل المعقول في  الافكار و الاخبار و المواقف و فحص حقيقتها ، ثم اصدار الحكم حول قيمتها .و فعلا ، فكر ابن خلدون في المعلومات المتوفرة في محيطه  العقائدي و الاجتماعي و السياسي ،و انتقد الاوضاع المرتبطة بها بناء على الامكانيات المعرفية التي كانت لديه ،ثم طرح الاحكام في كتب قيمة أبرز مضمونها مهارته في طرح المشاكل  وقدرته على التأمل و التفكير و اعادة التفكير في قضايا المجتمعات العربية  الإسلامية، فضلا عن  صدق و قوة الادلة التي اعتمد عليها في تفكيك  الواقع و الابتعاد عن السطحية و التعمق في نقد و محاكمة المسلمات و مناقشتها .
ان ما كتبه ابن خلدون يكشف ان الواقع  الذي درسه معقد ، و سعيه الى توجيه المعرفة الذاتية نحو المجتمع و نحو مصلحة عقلانية ايجابية كشف بدوره جوانب الخلل في المجتمعات العربية الاسلامية في عصره .و لا شك أن مدرسة فرانكفورت الالمانية التي ظهرت في القرن الماضي ، ومن خلال النظرية النقدية كبديل للفلسفة القديمة و علم الاجتماع الوضعي و الامبريقية  ، قد سارت في اتجاه نقدي حين قامت بنقد المجتمع الصناعي البورجوازي و عقلانية التكنولوجية و ما يرتبط بها من ايديولوجية ...هذا ما نسعى الى توضيحه في هذه الورقة التي لا نهدف منها تشبيه أو قياس فكر ابن خلدون من خلال ما قدمته النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت  أو العكس  ، لان لكل منهما  شبكة من المقومات الفكرية و المفاهيمية  و السياسية و الاجتماعية التي  جعلتنا نقتنع أنه ليس من السهل أن يشارك احدهما في الآخر ، رغم تميزهما بممارسة النقد الفكري ورغم أهمية المقارنة العلمية بشكل عام  .ان غايتنا بالتحديد هي ادراك أهمية النقد كقيمة و ممارسة  فكرية  سايرت تطور الفكر البشري  القديم و المعاصر  ، انها  بارزة و متميزة عند ابن خلدون الذي ادركنا من خلال قراءة مقدمته مدى أهمية تحرره الفكري  وايجابية شكه  في المألوف و مسائلته للموروث و استبعاده للوثوق .. .و نفس الاهمية لمسناها في النظرية النقدية التي عبرت عن القطيعة و الاستمرارية في نقد المجتمعات الغربية التي تجددت - مع تطور أوضاعها التاريخية – العديد من القضايا الفكرية التي تناولها الباحثون الغربيون بالدراسة  و النقد .

قيمة النقد عند ابن خلدون :
- ابن خلدون ونقد التاريخ:
ينتسب ابن خلدون الى التيار العقلاني النقدي الذي يرتبط بمفاهيم الفكر و التفكير و الادراك النقدي الذي يبين ان  العقل هو مصدر انتاج المعرفة و ممارسة  العمليات الفكرية المتداخلة التي من خصائصها  التمييز بين الجيد و الرديء ،واتخاذ موقف الحذر من صياغة التعميمات ،الى جانب الاعتماد على الادلة و المنطق  في اصدار الاحكام ... في هذا الاتجاه الفكري ، اهتم ابن خلدون كثيرا بالتاريخ باعتباره مصدرا من مصادر المعرفة ،و انتقد بشدة المؤرخين الذين سبقوه ،و الذين كانت نظرتهم للتاريخ سطحية و خالية من التحليل و التدقيق و البحث عن أسباب الاحداث. ففي هذا الاطار ، طالب بتنقية التاريخ من التحريف و التزوير لبعض الوقائع و الاخبار التاريخية . و اتسعت انتقاداته الايجابية       و البناءة  لتشمل الحقيقة التاريخية في قالب يرفض التبعية الثقافية و السياسية و كل أبعادها السلبية التي تجسدت في كتابة التاريخ ، معبرة عن التداول و الاستخدامات النفعية و الذرائيعية التي ميزت المؤرخين في تلك الحقبة ، بما فيهم المعهم ممن ساهموا في تزييف الحقائق و الاحداث .
لقد انتقد ابن خلدون كل فئات المؤرخين ،وانتقد بالتحديد نظرتهم القائمة على السرد         و التباهي بالأسلاف ، و كذلك التفاخر بالفرديات على حساب انشغالات المجتمعات .قام أيضا بتوضيح أسباب الاخطاء التي وقع فيها هؤلاء المؤرخين ، و المتمثلة حسب ما ذكره في كتابه ' المقدمة '  في التعصب للآراء و المذاهب و الثقة بالناقلين و الجهل بتطبيق الاحوال على الوقائع و توهم الصدق و التقرب من أصحاب المراتب بالثناء و المدح و الذهول عن المقاصد و الجهل بطبائع المجتمعات في العمران ...الخ. ان غياب الموضوعية بالنسبة لابن خلدون كان وراء فسح المجال للتخمينات و الوقوع في الكذب الذي أصبح مع مرور الوقت جزء من الحقيقة التاريخية .
تميزت انتقادات ابن خلدون بالجدية و سمحت بظهور منهج جديد في التأريخ و التدوين ،   و من خصائصه الدعوة الى شرح أسباب الظواهر من أجل ترقية التاريخ من مجرد فن للسرد القصصي  و ممارسة لتسجيل الاحداث ...،  الى قراءة  نقدية تحليلية تفسيرية تتسم بالدقة و الموضوعية و المعرفة الصحيحة لقواعد السياسة و أسلوب الحكم و كيفية المقارنة بين الحاضر و الماضي و توضيح أسباب ظهور الظواهر الاجتماعية و السياسية و الثقافية في المجتمع و أسباب انتشارها ...الخ
ان المبادئ التي يمكن استخلاصها من المواقف الفكرية لابن خلدون في نقده لعملية التأريخ التقليدية تتخلص في رفضه للتأويلات الخاطئة التي توجهها الادعاءات و التصورات الفردية التي تعبر عن رؤية جزئية لكل فرد و لكل شيء ، وكذلك  الانتماء الطبقي و المصالح الاقتصادية الضيقة  و الخرافة كإحدى المركبات الاساسية للرأي العام... و بهذا ،لم يكتفي ابن خلدون بتحديد هدف التاريخ الذي ربطه  بالصدق و الموضوعية في نقد الاخطاء  ، بل ألح على متابعة الاخطاء المتكررة و ممارسة النقد الصادق بكل أبعاده لتجاوز مجرد النقل ،  و الانتقال الى مستوى التحكم في قواعد السياسة و طبيعة العمران و الاحوال في الاجتماع الانساني ،و بالتالي  ترقية أسلوب تأريخ وتفسير الظواهر التي تنتشر في المجتمع.


- ابن خلدون و نقد البداوة  والحضر :
تحدث ابن خلدون في أسلوب شمولي و ديالكتيكي عن الجماعة البدوية أو المجتمع الريفي و كذا المجتمع الحضري ، مؤكدا على أن السلطة السياسية  مرتبطة ارتباطا وثيقا بكل منهما. انطلق بالنسبة لهذا الموضوع من التمييز بين جماعتين موحدتان و متعارضتان في أن واحد هما البدو و الحضر في بلاد المغرب العربي،و انتقد في هذا الشأن الحضرية المؤقتة و مميزاتها الاقتصادية و التجارية . كما وصف الظروف القاسية التي يعيشها البدو و حلل موقفهم من التطور الداخلي لمجتمعاتهم ، منتقدا انتشار ظاهرة الدنو و عوامل الدفاع الذاتي على حساب السير الطبيعي لتحضرهم.
و في أسلوب مقارن ،انتقد أيضا ابن خلدون أهل الحضر و ملذاتهم و اترافهم و سلطتهم المزعومة مفسرا أسباب بعض جوانب الحياة الاجتماعية في كل من المدينة و البادية التي كان اهلها يعاني من الهجرة و التغلغل السيئ  ،بل و حتى عدم التمكن من الاستيلاء على الحكم كنتيجة لطبيعة المعيشة الصحراوية .و عندما تعرض ابن خلدون لمفهوم العصبية ركز على تحليل هذه الظاهرة في المستوى السياسي ، و انتقد أسباب ظهور الفوارق الاجتماعية داخل القبيلة التي تزول فيها هذه الرابطة كشرف وراثي .  من جهة أخرى ،طرح قضية مفهوم الشعر في الادب العربي من خلال تجميع الافكار و اعادة قراءة التعريفات النقدية القديمة المرتبطة بماهية الشعر و النثر من أجل ابراز قصورها عن شرح ماهية و حقيقة الشعر . و قد توج مجهوده النقدي بالنسبة لهذا الموضوع بتقديم تعريفا جامعا حدد عناصر الشعر و صناعة الشعر كعملية ثقافية لها اهلها في المجتمع .
لقد واجه ابن خلدون انحطاطا اجتماعيا و اخلاقيا في عصره ، و شهد العديد من الهزائم ،  و اتجه بعقله لفهم ذلك الواقع في ضوء ارتباطه بالمراحل التاريخية السابقة . و استخلص في هذا الشأن ، بأن بناء  الحضارة له شروط مادية و بشرية لا يمكن التحايل عليها ، و أن انجاز التقدم مهمة غير عشوائية لها متطلباتها التي تمليها القوانين التاريخية و الاجتماعية للمجتمع . و بفضل استيعابه للفكر الاجتماعي العربي و خصوصياته،و تبني النظرة التحليلية النقدية لهذا التاريخ على أساس الجدلية المأساوية بين البداوة و الحضارة ، استطاع تجاوز الفهم الرومانسي للحقائق و طرح القوانين الفاعلة في حركة المجتمعات .أنه أدرك أهمية القراءة النقدية للأحداث في التاريخ و العمران و السياسة و الاقتصاد و التربية ،بحيث اخضع كل قضية نقدية الى التحليل النقدي دون التخلي عن الترابط و الانسجام المنطقي الذي يفرضه المنطق النقدي .


- النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت:
ارتبط اسم مدرسة فرانكفورت بالنظرية النقدية في معناها الفلسفي والذي ينبغي تمييزه بدقة عن الدلالة المعروفة  في النقد الادبي. ان مدرسة فراكفورت متمايزة أيضا عن النظرية التقدية لكون الأولي هي حالة خاصة من النظرية النقدية ولكون هذه الأخيرة لا تقتصر علي مدرسة فراكفورت  كحركة فلسفية نشأت بمدينة فرانكفورت سنة 1923 ، و أصبحت أساسا نظريا لأغلب النظريات و الاتجاهات النقدية لما بعد الحداثة ، خاصة في الفلسفة وعلم النفس و علم الاجتماع  .تمثل الشغل الشاغل لهذه المدرسة في الماركسية و جملة من الاوضاع السياسية و الاجتماعية لألمانيا المعاصرة بهدف ممارسة النقد بمفهومه الواسع الذي يضم الفرد و المجتمع و السياسة ...الخ.
انتشر تأثير النظرية النقدية في أوروبا في نهاية الخمسينات من القرن الماضي بعد أن ظهر اليسار الجديد.وتعود الحجة الفلسفية الاساسية لهذه النظرية الى رفض نظرية الهوية التي اعطاها الفيلسوف هيقل شكلها المكتمل ، و التي جمعت بين الهيقلية و الماركسية و مدارس علم الاجتماع و علم النفس.انطلقت النظرية و بفضل هوركهايمر من نقد المجتمع الغربي و بالتحديد تقد الجهود الذي يبدلها هذا المجتمع من أجل الاستمرار دون احداث أي تغيير أساسي  من شانه   أن يساعد على  تجاوز مصائب العقلانية و التحرر من قيودها ،و هو ما يتحقق حسب رواد النظرية عن طريق نقد العقل ذاته ،أي نقد ما أطلق عليه العقل الاداتي الذي استمر في اخفاء التناقضات و اضفاء الطابع العقلي على كل شيء  . في هذا الاطار ، طالب بتفكيك و تحليل منظومة القيم و العلاقات التي انتجها في المجتمعات الغربية العقل المتمركز حول الذات،  أي العقل الذي يلتزم على المستوى الشكلي بالإجراءات فقط  و يوظف الوسائل دون  أهداف و دون التساؤل عن مضمونها  .
 و من خلال الاستمرار في نقد العقل التماثلي أو نظرية الهوية التي تؤكد على أن هناك تطابقا بين الذات و الموضوع ،و كذلك نقد فلسفة التنوير التي اعتبرها هوركهايمر و زميله أدورنو  فكرا بورجوازيا ، تم نقد الواقع المعاصر الذي أصبح يتعارض مع الفرد و يهيمن عليه ، حيث أصبح الانسان المعاصر حسب النظرية النقدية  أسير عبودية الحاجات اليومية  و الاستهلاك .و هو ما تطلب  نقد تمركز الانسان المعاصر حول الحياة اليومية ونقد مظاهر  مصارعة نفسه في مجتمعات قمعية ، تبعده عن الحرية و الوجود الذي يريده بسبب أيضا ما تنشره وسائل الاعلام و الاتصال في ظل اتساع اقتصاد السوق و العقل الحسابي و المردود المادي ، مقابل اغفال دور العلم  الحقيقي الذي من غير المعقول أن تتلخص مهمته في تفتيت الوعي الانساني  و تدعيم أسطورة العقل الاستهلاكي كصورة مركزية للحضارة الغربية .

و من جهته ، تمكن هابرماس منذ بداية ستينات القرن العشرين من تقديم اشكالية سياسية حول الحداثة سمحت بالانتقال من فلسفة الذات الى فلسفة التواصل  التي تعد محاولة فكرية جديدة  هادفة الى عقلنة السياسة تواصليا لتثبيت قيم الديمقراطية التشاورية  و المواطنة و مجتمع ما بعد العلمانية . انتقد هابرماس  الطابع التقني الوضعي القمعي للعقل في الممارسات الرأسمالية و ألاشتراكية ، و التي اكتفت بدمج الناس  ضمن خطابات عقلانية تغطي الاستلاب و الهيمنة التي انتجها عالم الصناعة و التكنولوجيا  . غير أنه في نفس الوقت ، رفض الانتقادات التي استهدفت جملة و تفصيلا عقلانية الحداثة ، بحيث انتقد على وجه التحديد ميشال فوكو الذي تمرد حسبه و بتساؤلاته المعرفية على سلطة العقل و قدرته اللانهائية .
 صاغ هابرماس  نظرية الفعل التواصلي و نظرية العقلانية التقنية التي برز منها مفهوم العقل التواصلي محاولة منه لتنمية البعد الموضوعي الانساني للعقل الذي يضمن الحوار بعيدا عن كل اشكال الهيمنة ،و يخلص بالتالي الانسان  من تسلط السياسة التي استعمرت الحياة اليومية للناس عن طريق  ممارسة البيروقراطية و معادلة الفعالية و فلسفة الربح       و تراكم المال و الرأسمال   .و تضمن المشروع الفكري النقدي لهابرماس عدة مفاهيم اعتبرها نقدية و أساسية ، من أهمها مفهوم الفاعلية التواصلية التي تشير الى سلوك أخلاقي غايته ممارسة الاقناع .و من جهة أخرى ، طور مفهوم المجال العام أو ما يسمى بالفضاء العمومي لمعرفة كيف يمكن للفكر النقدي أن ينخرط في فهم هموم المجتمع المعاصر و ابراز ايجابيات التواصل و فوائد العقلانية التواصلية التي هي أساس بناء السلطة التواصلية  في المجتمعات المعاصرة  .

وهكذا ،عبرت عملية النقد بالنسبة لمدرسة فرانكفورت عن القطيعة و الاستمرارية بسبب اختلاف الاوضاع التاريخية و تجدد القضايا الفكرية ، خاصة بعد تغير المواقف من الماركسية الكلاسيكية و الثورة العمالية المنشودة. انها  نظرية نقدية واحدة  للمجتمع تخلت عن  النظرية الأصلية التي كانت تنطلق من ماركس ونظريته الثورية ،فيما انطلقت النظرية الجديدة من تخطئته والتخلى عن الممارسة الثورية وعن هدفها المتمثل في  تحقيق المجتمع اللاطبقى .ومهما كانت أهمية التغير الذي مس مواقف نقاد مدرسة فرانكفورت ،  تبقى  الماركسية على كل حال  المرجعية الأساسية فى التكوين الفكرى لهذه المدرسة التي سادها التشاؤم جراء توالي الاخفاقات و أشكال الفشل التي عايشها روادها خلال الاربعينات من القرن الماضي .


أخيرا ، للنظرية النقدية سمات بمعنى العلم أي كتنظيم للوقائع التي ندركها في الدقة التي هي غاية العلم ،و تتجسد موضوعية هذه النظرية  حسب منظريها أيضا في موضوعية العلم الذي ينبغي ان يكون حقيقيا ، و ان يسلك سلوكا نقديا ازاء نفسه و ازاء المجتمع الذي ينتجه.
وفي اتجاه نقدي و على اختلاف العقلانية التي تمثل نزعة علمية تؤدي الى افناء الذات ، تراكمت تناقضات جديدة و طرحت تساؤلات جديدة  بحثت فيها النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت التي لاحظت أكثر و أكثر  التحول الهيكلي في المجال العام الذي يسوده  التصور البورجوازي للديمقراطية ، و الذي يترجم علاقات البيع و الشراء في عالم السياسة .لذلك ، واصلت نقد التسلط السياسي والهيمنة التي أدت الى ظهور احتكارات للرأي تحت سيطرة الفئات المهيمنة ،و من تم نقد  السلبيات التي أضافت مسائل جديدة  للصراع الاجتماعي في المجتمعات المعاصرة التي أصبح  فيها العلم والايدولوجيا  وسائل لممارسة القمع من أجل تحويل الرأي العام .


لقد انشغلت النظرية النقدية  بالبحث في الاسئلة التي اقترنت ببعض القوانين الاقتصادية  منها قانون التراكم الرأسمالي و قانون فائض القيمة في ظل احلال التكنولوجية المتقدمة محل الايدي العاملة .و البحث عن اجابات لهذه الاسئلة سار في اتجاه نقدي استفاد من الماركسية الكلاسيكية و من ادواتها في نقد المجتمع البورجوازي و البحث عن القوة القادرة على التغيير .من جهة أخرى ، لا يمكن اعتبار مدرسة فرانكفورت اول مدرسة نقدية في الفكر الانساني ، و ما قدمته هو حصيلة قراءة توليفية بين الماركسية و الهيقيلية و مخرجات علم الاجتماع و علم النفس لتحليل المتغيرات التي شهدها المجتمع الرأسمالي الحديث.


-قراءة و تحليل:
ان الدارس لفكر ابن خلدون و للنظرية النقدية  لمدرسة فرانكفورت يلاحظ مدى مساهمتهما في تطور الفكر النقدي ، و يلاحظ أوجه تشابه كثيرة بينهما جعلت مجال المقارنة أمرا مطروحا أمام كل من يقرأ 'المقدمة ' و المتتبع لما جاء في  كتاب ' جدل التنوير ' الذي ألفه هوركهايمر بالاشتراك مع زميله أدورنو ، و هذا من حيث تماثل المواقف و الافكار بسبب التأثر بمكونات ذاتية و ظروف محلية و تجارب شخصية قاسية  متشابهة الى حد كببر - رغم اختلاف السياق الزمني و المكاني - و التي جعلت مواقفهم متشابهة من قضايا التاريخ  و واقع المجتمع و مسائل السلطة ...لقد عبر ابن خلدون من جهة ، و هوركهايمر و شريكه من جهة أخرى عن التناقضات و السلوكات التي طبعت عصريهما بناء على المعطيات و الملاحظات التي تعبر عن الخصوصيات التاريخية و الثقافية لمجتمعات مختلفة في جوانب و متشابهة في جوانب أخرى ،أهمها التنافس و الصراع السياسي  و التدهور الاجتماعي  ...
و عليه ، لاحظنا مدى سيادة النظرة الواقعية النفعية التي أدت بابن خلدون و أصحاب النظرية النقدية الى تسجيل أرائهم و تقييم الاوضاع السائدة  وفق نظرة واقعية نفعية ، و بعيدا عن الاعتبارات الذاتية الضيقة .لقد كان الاعتماد على السببية و المصلحة العامة أمرا بارزا شكل أساسا قويا لتوجههم  النقدي في فهم الاحداث و تقييم الاشياء ، اذ عرضوا الملاحظات التي جمعوها من خلال تحليل القضايا التي اهتموا بها ،وفق تصور واقعي عملي يستجيب لحقيقة المجتمع و واقعه و يعبر عن سلوك الحكام . من جهة أخرى ، لم يكتب ابن خلدون في سياق أخلاقي أو مثالي  ،و لم يكتب هوركهايمر في اطار محافظ يفرض مفاهيم رجعية لتبرير النظام الرأسمالي القائم أو اخفاء التناقضات التي جلبتها الثورة الصناعية و التكنولوجية في مجتمعات غربية تكبدت خسائر مادية و معنوية كبيرة على مستوى الفرد و الجماعة رغم تراكم المال والرأسمال و التقدم التقني ... انهم طرحوا أفكارهم في شكل استنتاجات نقدية منطقية امتزج فيها التاريخ بالفلسفة و علم السياسة و علم الاجتماع. و يمكننا تلخيص ملاحظتنا كالتالي :
-طرح  كل من ابن خلدون و زعماء النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت أفكارهم النقدية البناءة  من خلال الاستعانة بالشك المنطقي  في اثبات موضوع العلم الجديد  بالنسبة لابن خلدون  و الذي سماه ' العمران البشري ' . لقد خصصه لبيان المسائل و الظواهر الاجتماعية و تبدل الاحوال في الامم و الاجيال و ما لذلك كله من العلل و الاسباب ...،  بينما درس هوركهايمر و زميله أدورنو  مواضيع الفاشية و تشكل الشخصية المستبدة  و قضايا علم الجمال و التحرر و البيروقراطية الحديثة و التسلع الثقافي او ما سمي بالصناعات الثقافية و ثقافة الاستهلاك و التنميط .. .
- استعان ابن خلدون بالشك في تحليل الروايات و الاخبار التي شكلت مادة التاريخ ،وقام بانتقادها انطلاقا من الشك في صحتها  بسبب انتشار في مجتمعه مظاهر التشيعات للآراء و المذاهب و التقرب لأصحاب المراتب و الثقة المفرطة بالناقلين و الذهول عن المقاصد و ولوع النفس بالغرائب و المحاكاة ...الخ .وجسد هذا العمل الفكري اختياراته لإتباع طريق صحيح يؤدي الى التمييز بين الممكن و المستحيل من الاخبار بعد ملاحظة  المجتمع و ظواهره ، و التعرف على خصائصها الداخلية و استخراج الاختلافات بينها و الحكم عليها بأسلوب منطقي و نسبي .و من جهتها ،انتقدت النظرية النقدية الافكار الهيقيلية  و فلسفة الانوار التي لم تحرر الانسان من الباطل و الخوف و القوى الشريرة ، بل أدت بالناس في المجتمعات الغربية الى العيش في ظل شروط تاريخية  تتحكم فيها 'الضرورة الحتمية ' التي توجه  تطور الرأسمالية . لقد تم بالتحديد نقد عملية تفكيك صيرورة العقل التي لم يعد تفكيكها ممكنا بعيدا عن لعبة المصالح المتصارعة في المجتمع  ، و هو ما يعني نقد اللعبةالمتناقضة اللاعقلانية التي تحيط بالمصالح المتضاربة  التي تعرقل عملية اقامة مجتمععادل ، يتسق مع مقتضيات العقل الذي يعد الوسيلة الوحيدة لإقامة مجتمع من الناس الاحرار و انقاذ الحرية من اليوتوبيات التي جاء بها  النظام الرأسمالي على وجه الخصوص .
- نلاحظ أن ابن خلدون و أصحاب النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت تعاملوا مع الفرد ليس كأنا منعزل و بعيد عن الحياة الاجتماعية ، بل كفرد يعيش في قلب تنظيم سياسي و اجتماعي و اقتصادي ،و رأوا بأن التغيير في أوضاع المجتمع يكون نتيجة أزمات متتالية .،  ترتبط  عند ابن خلدون بإشكالية الدولة و مؤشرات مرحلة الحضارة الفاسدة التي تشهد ارتفاع الضرائب و الاعتماد على السيف من أجل البقاء ،و انتشار العصبية بالجند و الكساد و انحلال الاخلاق ...الخ.أما التغيير حسب النظرية النقدية فسوف   يكون نتيجة أزمات لن ترتبط  بإفقار الطبقة العاملة  مثلما رأى كارل ماركس ، خاصة و أن وضع العمال صار أفضل بصورة ملموسة مما كان في زمن ماركس  ،و لكون الازمات الاقتصادية الصعبة صارت هي الاخرى نادرة بفضل التدابير السياسية الاقتصادية الحديثة ...ان التغيير يكون نتيجة أزمات مرتبطة بغياب الحرية و العدالة و انتشار المماثلة و الاحكام القاطعة التي تثير المصالح أو ترتبط بها ، و سيطرة العقلانية التكنولوجية و ما يرتبط بها من ايديولوجية قمعية أسست اللعبة المأساوية في المجتمعات الرأسمالية .
- ان النقد بالنسبة لابن خلدون  و هوركهايمر و أدورنو و هابرماس و غيرهم من علماء مدرسة فرانكفورت عبر عن محاولات فكرية جادة لإيجاد بديل نظري له أبعاد فلسفية و اجتماعية أدت بابن خلدون الى البحث عن أماكن الخلل في المعرفة التي كانت سائدة في عصره في البلاد الاسلامية من أجل تصحيحها ، و جعلت أصحاب النظرية النقدية يقفون أمام التيارات الفكرية و الفلسفات التقليدية التي مارست أنواعا من السلطة أجبرت النظرية على التراجع مقابل انتشار الوساطة و الدراسة الشكلية للحقيقة .أذن كان الهدف من النقد هو الشروع في لحظة تاريخية معينة  في القيام بالواجب تجاه القوى الاجتماعية من خلال توجيه المعرفة الذاتية نحو مصلحة عقلانية ايجابية لتكون معرفة اجتماعية هدفها نقد المجتمع القائم و الكشف عن جوانب الخلل فيه بل و حتى رفضه اذا كان سلبيا.


 الخاتمة :
لقد طور ابن خلدون فلسفة و معرفة اجتماعية نقدية حول ازمة الانسان  في عصره،و نفس الانشغال اهتم به  أصحاب مدرسة فرانكفورت التي بحثت في هموم الانسان المعاصر و تطلعاته المستقبلية .انهم  اهتموا جميعهم ، و رغم اختلاف السياق المكاني و الزماني الذي يفصل ابن خلدون عن هوركهايمر و زملائه ،  بنقد المجتمع و مؤسساته و كذلك نقد الفكر و آلياته .تميز اتجاههم النقدي بالجدلية  بفضل الربط بين الفكر و الممارسة . هذا  الاتجاه النقدي لا يخجل من الصراع  الذي تحركه العصبية عند ابن خلدون ،و تحسمه القوى الاجتماعية التقدمية بالنسبة للنظرية النقدية .
أن الغاية التي دافع عنها النقد عند ابن خلدون هي تحرير الانسان من طبائع الاستبداد و أحوال الاستعباد  التي  يفرضها صراع العصبيات ،بينما أراد مؤسسي مدرسة فرانكفورت معارضة الواقعية الامبريقية التي تجسدت في الثقافة الجماهيرية و نجومها بسبب انتقال مصدر السلطة في المجتمعات الصناعية  من القوة الاقتصادية الى القوة الابداعية التي عبرت عنها كفاءات انتاج الافكار و المعلومات و مختلف وسائل الانتاج الفني و الاعلامي ، اعتمادا على العقل الاداتي الذي يكتفي بالالتزامات الشكلية  و التمركز على الذات و ممارسة الهيمنة على الانسان الذي تاه في الحساب و الفهم  بعيدا عن النقد ، بهدف التطابق مع فعاليات السلطة التي أقهرت الناس من خلال اضفاء الاهمية على كل شيء .
و عليه ، نعتبر قيمة النقد من أهم القيم النظرية و المنهجية و العملية التي استجابت لمقتضيات التيار العقلاني النقدي في فكر ابن خلدون الذي أراد من خلال أطروحاته النقدية المتكاملة كشف الحقائق التي تحول دون اقامة مجتمعات اسلامية عادلة في السياسة و الاجتماع و الاقتصاد رغم ما تتمتع به من توجيهات شرعية . فمن خلال رؤيته عن العمران البشري و كيفية تكونه ،تبلورت نظريات في العصبية و دورات الدول و  العلاقات التي تربط المجموعات البشرية ...،الى غيرها من المواضيع التي كانت موضع مسائلة عقلانية تربط الاسباب بالمسببات في تركيب منطقي يشمل كل شيء .و هذا ما يتميز به عصرنا الذي تحول فيه النقد البناء و العلمي الى ظاهرة فكرية عالمية .أما النظرية النقدية ، فقد تمكنت من التفكير في التواصل و مسائلة الفضاء العام لتوجيه قضايا العصر في اتجاه  نقدي كرس مسائلة نتائج تطور وسائل الانتاج و انتشار العنف الرمزي و القهر و التضليل الاعلامي و التسلط و السيطرة .


المراجع :
-عبد الرحمن ابن خلدون ولي الدين ، المقدمة ، المحقق عبد الله محمد الدرويش ، دار يعرب ،2004.
- عبد الغني مغربي ، الفكر الاجتماعي عند ابن خلدون ،ترجمة محمد الشريف بن دالي حسين ، المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر ،1986.
-ألن ماو ، النظرية النقدية :مدرسة فرانكفورت ، ترجمة ثائر ديب ،المركز القومي للترجمة ،  2003.
   
-Abdekader Djeghloul , Trois études sur Ibn Khaldoun , collection patrimoine ,Enal ,Alger, 1984.
-Jean – Marc  Durand-Gasselin , L’école de Francfort ,Gallimard ,2012 .
-Ghetard Hohn ,De la naissance de la théorie critique à sa phase pessimiste ,Encyclopédie universalis
- Esprit critique.
Fr.wikipedia.org/wiki/Esprit-critique
-Louisa Yousfi,L école de Francfort :sortir de l’aliénation  (publié en 2013)
-Serge Lellouche,L’école de Francfort (publié en 2000)
www.scienceshumaines.com/l-ecole-deFrancfort_fr_30333html