"التسلق الاجتماعي".. كيف تطورت أساليب الإنسان لنيل الشهرة؟

ترجمة محمد أسامةمقدمة المقال 
يحاول الجميع كسب الشعبية، منذ قديم الأزل. وعلى مدار السنوات الأخيرة، بسبب منصات التواصل الاجتماعي، تحولت الشعبية إلى علم وأرقام وإحصائيات صلبة، لتفقد بذلك جزءا أصيلا من متعتها، وغموضها. يقارن المقال بين الشعبية قديما واليوم.

نص المقال
بينما تشذب صديقتي إحدى الصور تمهيدا لنشرها على إنستغرام، سألتها: "كيف كان الناس يقيسون الشعبية قبل منصات التواصل الاجتماعي؟"، أجابتني: "ما كانوا يفعلون". ومع تنشيطها للتطبيق لاستقبال الموجة الأولى من "الإعجابات"، شعرت بالحنين يدب في قلبي. أتذكر حين لم تكن الشعبية قابلة للتكميم؟ أتذكر حين كانت الاهتمامات الجديدة ذاتية، قبل ظهور خوارزميات تحددها عبر تحليل مدخلات محركات البحث، ومنشورات فيسبوك؟ أنا أفتقد أياما كان فيها الشك المطلق في الأمر برمته هو أكثر جوانب الشعبية إجهادا للأعصاب. حين كانت الشعبية رائعة وذات خصوصية، لا تحددها إلا مشاعر الرغبة والحسد ولهفة المهتمين بها.

واليوم، لم يعد هناك غموض، فمعايير الشعبية منتشرة ومتوغلة ولا مهرب منها. تأتي الأخبار، والقصص، ومقاطع الفيديو، وقوائم الموسيقى.. يأتي كل شيء ومعه عدد المشاهدات، والمشاركات، وتقييمات المستهلكين أيضا. إن استخدمت غوغلللبحث عن عنوان، فسترى تقييما للموقع. (تقييم محطة قطار الأنفاق التي أستخدمها هو 3.9 نجمة). إن طلبت وجبة من موقع، فسترى جداول للشعبية والجودة. (إن نال مطعم سوشي نجمتين بعد آلاف التقييمات وما زال يعمل، فلا يمكن أن يكون بهذا السوء، أليس كذلك؟) إن أضفت رقم شخص إلى هاتفك، فسيطلعك فيسبوك على معارفكما المشتركين. حتى إن بعض برامج المراسلة تضعك في مواجهة مباشرة مع آليات الشعبية، مثل مقارنةسنابشات بين معدل مراسلتك لأصدقائك بمعدل مراسلتهم لك، وتخصيص قلب أو إيموجي متذمر لقائمة جهات الاتصال وفق نتيجة المقارنة.
لفترة من الزمن، ظل الناس ينظرون إلى عبارة "له شعبية على منصة تواصل اجتماعي" على أنها عبارة متناقضة. كان أي شخص يهتم ببناء قائمة متابعين إلكترونية ضخمة هو فاشل على أرض الواقع، كانت هذه القاعدة. لكن مع اندماج حياتنا الرقمية بحياتنا "الحقيقية"، اندمجت صور الشعبية أيضا. صحيح أنهما لم يصبحا كيانا واحدا -حتى الآن- لكن للشعبية الرقمية على الأقل رواج كاف للتأثير على الديناميات الاجتماعية في كل وسيط أو فضاء آخر. تشجع تطبيقات المواعدة المستخدمين على الربط بين حسابات منصات التواصل المختلفة. (بعضها، مثل رايا، تستخدم بيانات هذه المنصات لتحديد جدارتك بالاشتراك فيها).

قد تؤثر شعبية منصات التواصل الاجتماعي على نيل الوظائف، خاصة في المجالات المهتمة بالتسويق، أو الدعاية، أو إذاعة خبر ما عموما. في الحفلات، يجري غالبا تصنيف مضمر للأشخاص، ففيهم من يرقى عدد متابعيه على منصات التواصل الاجتماعي إلى مصاف الأسلحة المدمرة، وفيهم من يحظى بكم متابعين طبيعي، ويبدل الضيوف وضعيتهم خلال التقاط الصور حسب قدر الانتشار الجماهيري المحتمل، أو حسب الانتشار الجماهيري المرغوب، في بعض الحالات.


هناك علاقة مباشرة بين عدد حضور الحفلة ممن تظهر بجوار أسمائهم كلمة "مؤثر"، وبين احتمالية الـ"فريمتشام" (fremdscham)، وهو المصطلح الألماني للحرج الذي يصيب البعض بسبب أفعال شخص آخر ليس من طبعه الشعور بالحرج. لقد حضرت مناسبات حول فيها الضوء الخاطف لآلات التصوير أناس بالغين عاقلين إلى مناضلين متحمسين، يشقون طريقهم برعونة عبر الحجرة للظهور في صورة جماعية، وهم يصيحون بكنيتهم على منصة إنستغرام وسط الضوضاء.
  
 أصبح التسلق الاجتماعي أكثر إذلالا ومللا -في الوقت نفسه- من أي وقت مضى. فهو مذل لأن التسلل إلى الحفل غير كاف، بلالتت عليك إشهار هاتفك المحمول واتخاذ أوضاع ستبدو لطيفة على الإنترنت، لكنها تجعلك تبدو مغفلا في الواقع. (في أيامي، إذا أردت الحصول على صورة في حفل، فعليك التفاعل مع الحضور للتعرف إلى مصور. انخرطوا يا متسللين!) وهي مملة، لأن أساليب التسلق الاجتماعي الفعالة قد تم القضاء عليها، نوعا ما.
 
انس استغلال الفراش للوصول إلى الأعلى، بل إن الإطراء نفسه ما عاد يستخدمه أحد. انتقل الجميع إلى الرسائل الخاصة، إنه أسلوب ديمقراطي بشكل مثير للإعجاب، وفعال بصورة ملفتة للنظر، وممل تماما. ليس هناك أي مجهود فني في "أرسلت له صورة مؤخرتي، وأنا الآن على قائمة ضيوف الحفل". أعرف ذلك لأن لصديقي نفس اسم دي جيه اسكندنافي شهير، وله صندوق رسائل شديد الجموح. يمارس ذلك جمهور من نطاق عمري أكبر مما كنت لأتصور. والنتيجة هي أسوأ أنواع الشباب الأبدي: أقصى مدى من التظاهر الاجتماعي بالشباب، دون أدنى درجات التخفف من الهم.


المقاييس موت للجمال. فالآن، بعد أن صرنا قادرين على تكميم الشعبية، يمكننا كذلك حساب المسارات المنحنية والتنبؤ بالأنماط. صارت الشعبية علما، لا فنا. كما صارت عملا، بصورة متزايدة، لا لعبا. يتحدث الناس عن الشعبية مثلما يتحدثون عن المال: يمكن لأي شخص أن يكون ثريا، مجازا، لكننا نعرف أيضا كيف نقيس الثروات الاجتماعية بالأرقام، ونوع العمل اللازم لزيادة الأرقام. مثل المعارف التي من شأنها تنشيط الشعبية، ونوعية #فولوفورفولو (موقع لتبادل المعجبين) من العمل الذي يستطيع تحسينها، وروبوتات الويب التي يمكن استئجارها للعب دور المتابعين أنفسهم.

عندما تصبح الشعبية النسبية لشخص، أو مكان، أو شيء، معلومة عامة، يغدو الاجتهاد صوريا
مواقع التواصل
 
 بطبيعة الحال، لكل طريقة من طرق تحسين الشعبية الرقمية نظير في العالم الواقعي. فمنذ قديم الأزل، والمتسلقون يقبلون نجمة حفل التخرج لتحسين صورتهم، ويشدون على أيدي الغرباء بحفاوة مصطنعة، ويستأجرون مصفقين مأجورين. (وبعض نبغائهم يفعلون جميع ما سبق. مثل مستخدم شهير لتويتر اصطحب معه مصفقين مأجورين في اجتماعه الأول بوكالة الاستخبارات الأميركية. إن هوس الرئيس ترمب بالشعبية كبير إلى درجة يكاد معها يحل محل الأنا العليا عنده).

لكن يبدو أن المشكلة الحقيقية تتعلق بالمعرفة: جهلك بموضعك يثير قلقك، لكنه قد يحفزك على التفاؤل أيضا. إن لم تكن على يقين بأن أحدا يفكر عند رؤيتك في الإيموجي الذي يشغل قلبين مكان عينيه، فيمكنك الإيمان بأن الجواب هو أجل، تتحول عيون الكثيرين إلى قلوب فور رؤيتهم لي. قبل ذلك، في زمن الشعبية الغامضة، كانت أكثر اللحظات سحرا هي لحظة إدراك فتاة حسبت نفسها منسية، فجأة، أنها محبوبة من قبل الكثيرين، كان ذلك مشهد خيالي من أفلام المراهقة.


عندما تصبح الشعبية النسبية لشخص، أو مكان، أو شيء، معلومة عامة، يغدو الاجتهاد صوريا. لقد كان في رفض الاعتراف بالسلطة الاجتماعية قوة حقيقية. كانت فكرة الشعبية لا تراود الأذهان إلا في السياق الشخصي، كانت الشعبية خوف قارض في ليالي الوحدة، أو فكرة تطرأ خلال الوقوف في مواجهة الجدار في حفلة ما، أو عجرفة سرية تجد فيها متعة وأنت ممسك بدعوات الحفل. كانت هيكلا اجتماعيا حقيقيا، مرن كفاية لاستيعاب تقلبات الثقة بالنفس: فالشخص الذي يمزج لا شعبيته بعجرفة غريبة، لم تكن مكافأته بالشعبية الحقيقية أمرا ممكنا. ففي غياب استمارة النقاط، يصبح أمام الجميع فرص متساوية لإدارة اللعبة، ولا يملك أحد تحديد مسار اللعبة بدقة. حتى هؤلاء الذين يملكون السلطة أو الشعبية لم يكونوا مدركين دوما لكيفية حصولهم عليها، أو سبب ذلك، ناهيك عن طرق الحفاظ عليها، وهو بالتحديد ما كان يجعلها مريعة وبديعة.
المقال الاصلي من هنا  (ذا كت)
المصدر: موقع ميدان