محاولة قراءة آليات اشتغال العقل الإعلامي الجزائري

الباحث محمد أحمد بغداد
 الدكتور محمد احمد بغداد
هل يكون من المخاطرة الشروع في تناول أسئلة جديدة متعلقة بالمشهدية الإعلامية الجزائرية، وتحمل تكاليف السير في ركاب إجاباتها غير المتوقعة، انطلاق استعمال أولى للبحث في وجود فكر إعلامي جزائري؟ وهل من السهل اعتماد النشاط الصحفي الوطني، أساس لرؤية تفكير صحفي يمكن رصده؟ وهل توفر عامل التراكم التاريخي بين الأجيال يساعد على الذهاب نحو بناء هذا الفكر، أو تلمس هذا التفكير؟ وهل التجربة الصحفية الجزائرية، منذ ظهورها في بداية القرن العشرين، وإلى غاية اليوم، صالحة لكي ترقي إلى نوع من أنواع التفكير الإعلامي؟ وهل تسمح الظروف الحالية، ؟ ولماذا تحرص المؤسسات الاكاديمية على الابتعاد عن مثل هذه الاسئلة، وتجنب مجرد الاشارة اليها؟ أسئلة نود أن نتناولها اليوم، بعيدا عن إجابات جاهزة أو مصادمة عنيفة، من يعاجلنا بردود سريعة ومستعجلة.

إرتهان التجاهل

لم تنتج النخب الإعلامية المتوالية في مراحل الممارسة الإعلامية، ما يمكن الاعتماد على القول فيه، بأنه مرجع إعلامي أو مساهمة علمية، في مجال الصحافة والسعى إلى إضافة نظرية أو ميدانية، في تطوير مفهوم الإعلام، باستثناء جهود عبد الرحمان عزي، التى تأتي في الاطار العالمي للممارسة الإعلامية الإنسانية، أما خارج هذه الجهود، فلا تسعفنا المكتبة الوطنية عن شئ.
حتى ما عرف في السنوات الأخيرة (بالملتقيات)، التي سرعان ما تحولت إلى مهرجانات، أو مواعيد للحصول على شهادات التزكية، ووسيلة للارتقاء الوظيفي، لا توجد إضافة محترمة يمكن رصدها، ولم تظهر محاولة لطرح مثل هذه الاسئلة، بل الأدهى والأمر، أن هذه الملتقيات وما تم انجازه، لم يخرج عن الاطار التعليمي، وتناول الابجديات المعرفية، التي تجازها العصر وأصبحت جزء من تاريخ التفكير الإعلامي.
وإلى غاية اليوم، لم تحصل من المؤسسة المستأمنة على المنظومة المعرفية للمجتمع، على مجرد موسوعة للحركة الإعلامية الجزائرية (افرادا او مؤسسات او افكار)، وهو الأمر الذي ينطبق على كل المراحل التاريخية السابقة، حتى المحطات الاخيرة منذ التحول الإعلامي بعد أحداث اكتوبر 1988، وهي المؤسسة التي تحرص على رفض الاقتراب من الممارسة الميدانية، وتتجنب مناوشتها في أي مستوى من المستويات.
إن الحرص الشديد الذي تمارسه المؤسسة المستأمنة على المنظومة المعرفية للمجتمع، من تجاهل الاقتراب من الممارسة الإعلامية الوطنية، فيكل مراحلها يضع هذه الممارسة في مواجهة العدمية الفكرية والسطحية الابتكارية، ويقربها من الميزاجية السلوكية، ويحرمها من الاعتراف المهني، ويساعدها على الانزواء في الدوائر المظلمة في المخيال الجماعي، ويضعها تحت رحمة إرتهان التجاهل بحصار الغموض، الذي يمنعها من التحول إلى مرحلة امتلاك النموذجية الفكرية، والمرجعية النظرية، من طرف الأجيال القادمة.

أبواب سؤال

تذكر المصادر التاريخية، أن الجزائر عرفت نشاطا اعلامية غير مسبوق في بداية القرن العشرين، حيث ظهر في الفترة الزمنية، ما بين (1905 و1953) أكثر من مائة جريدة، وهي الفترة التي كانت الجزائر تعيش تحت السيطرة الاستعمارية الفرنسية، التي تعتبر من أقبح انواع الاستعمار في التاريخ، وهي الفترة التي كانت فرنسا الاستعمارية، قد بلغت المراحل المتقدمة من تدمير كل شئ في المجتمع الجزائري، إلا أن هذا العدد من وسائل الإعلام، يفتح الباب على سؤال لم تتناوله المصادر التاريخية، والمتمثل في رأس المال الذي قامت عليه هذه الوسائل، وبمقارنة بين عدد وسائل الإعلام التي ظهرت، نجده رأس مال كبير، فمن أين لهؤلاء الاشخاص والمؤسسات رأسمال الذي عملوا به هذه الوسائل الإعلامية؟
إن الاجيال الصحفية الوافدة على المشهد الإعلامي، تواجه تلك الصدمات العنيفة والمفارقات المؤلمة، كونها لا تجد في طريقها النموذج الذي يجعلها تستند الى قاعدة منطقية ولا تأوي بها إلى ركن رشيد، فمرة تجد علامة (صحافة مقابل قضية) ومرة (صحافة مجتمع)، مما جعل المسيرة الكلية تصل بهذه الأجيال إلى الوقوع في أزمتين خطيرتين، الأولى تمثلت في الأزمة الاخلاقية، التي جعلت من الممارسة الصحفية أقرب إلى العربدة في نظر الآخرين، وعلى مشجبها تحمل كل أوزار البشر، وهي المعصية الأاهم للمجتمع برمته، دون أن يتم انجاز العقل الاخلاقي الإعلامي الجزائري، الذي يجعل من القواعد الضامنة لممارسة عادية وطبيعية للحركة الصحفية، وأما الثانية فكانت الأزمة المهنية، التي يعوزها انتاج العقل الإعلامي للقاموس الصحفي، الذي تندرج فيه مفاهيم الممارسة الإعلامية ويضبط ايقاعها.
إن المرحلة الراهنة تفرض اليوم، الذهاب بشجاعة نحو التعامل المسؤول، مع الكثير من الاسئلة التي اعتبر بعضها هنا، في غاية الأهمية، والتي تتقدمها، هل هناك فكر إعلامي جزائري؟ وما هي القيم المميزة للممارسة الإعلامية الجزائرية، التي طبعت مختلف المراحل السابقة؟ وماهي المعالم الكبرى التي ميزت وتميز التجربة الإعلامية الجزائرية؟ وهل هناك قاموس إعلامي جزائري معتمد كقاعدة تداولية؟ ليكون الرشد المأمول في المسيرة الإعلامية الجزائرية، منطلقا من التعامل الجاد مع مثل هذه الاسئلة.

القطيعة العلقمية

مع السيل العرم الذي فتحت الثورات التكنولوجية الاتصالية، والطفرات العلمية، وجدت الأجيال الإعلامية الجزائرية نفسها، في مواجهة مشكلة معقدة المضمون ومتعددة الجوانب، تمثلت في النموذج الذي يجعل منها تمتلك هوية صحفية تميزها عن غيرها، وتعتمد عليها في مختلف مستويات ممارستها الإعلامية، فالمؤسسة المستأمنة على المنظومة المعرفية للمجتمع، تجنبت الانخراط في مراحل المسيرة التاريخية، والخوض في تفاصيلها، وبقيت مجرد مستهلكة للنماذج التقنية الأخرى، دون ادراك لمضامينها الفكرية والفلسفية.
فلحد الآن، لم تنتج هذه المؤسسة المستأمنة على المنظومة المعرفية للمجتمع، مجرد رؤية تعريفية لخريطة المسيرة الصحفية الوطنية، ولم تمنح الاجيال الإعلامية ما يكفي من تلك الاجابات على الاسئلة الجوهرية، ولم تتطرق إلى قضايا الهوية الصحفية، ولم تعمل على مجالات اشتغال العقل الإعلامي الجزائري، فخلاصة عملها تلك الاشارات المناسباتية، إلى بعض الاحداث والشخصيات لجزئيات مجزئة من المسيرة الكلية، دون أن تظهر تلك الجهود التي تتناول هذه المسيرة، من حيث أفكارها ومستويات اشتغالها، وطبيعة عملها وأساليب نشاطها.
يكاد يكون المشهد الإعلامي الجزائري الوحيد الذي يفقد العلاقة الفكرية والتواصل المعرفي، مع خطواته السابقة التي أصرت النخب على إحداث القطيعة معها، وحرمت الأجيال الصحفية الوافدة إلى هذا المشهد، من التناوش مع الأسئلة الحقيقية لطبيعة هذه الممارسة، حتى تحول الأمر إلى مجرد نشاطات تخبط خبط عشواء، تصنف في سياقات شاردة عن الحركة العامة للمجتمع، كون المهمة الأساسية التي يفترض القيام بها، قبل الممارسة الميدانية، هي بناء ملامح العقل العلمي، الذي يكون اطار التفكير الصحفي المنسجم مع الذات، والمستند إلى الافكار الابداعية التي تم انتاجها في مختلف المراحل التاريخية.

قابلة الاقتداء

تحفل المصادر التاريخية، بالكثير من الاحدث الصحفية في المسرة العامة للنضال الجزائري، دون أن تبرز الاتجاهات المتخصصة في الانكباب على هذه المسيرة، مما جعلها في النهاية أقرب إلى الخريطة غير معلومة التضاريس، وفي هذه المصادر يبرز الجهد، ويغيب التفكير وتظهر الاحداث، وتتوارى الافكار، كون النفس المتبع، هو سيطرة ذلك الربط بين النشاط الصحفي، والمشكلة الوطنية (صحافة مقابل قضية)، دون أن يتم الانتباه إلى مستوى العقل التأريخي، للفرق الجوهري الذي يمكنأن يتم الاهتمام به، في جزئيات هذه الاشكالية الكبرى.
إن الورطة التأريخية، التي تم الوقوع فيها، كانت نتيجتها كارثية، كون المحصلة المؤلمة، تجلت في بروز (الفنتازيا الصحفية) ، في مقابل التضحية (بالعقل الإعلامي)، مما جعل المسيرة الصحفية في نهاية المطاف، يتم ادراجها في رفوف الماضي وليست قضية تاريخية، ولا ملفا ابداعيا يمكن الاهتمام به، كونه مجموعة أفكار في مجال الصحافة، تشكل قيمة مضافة للمسيرة الإنسانية في هذا المجال، وبسرعة توارت (القضية الصحفية الجزائرية)، إلى مجرد اشارات في المناسبات العابرة والاحتفالات والمهرجانات، باعتبارها شذات نضالية كانت ذات يوم، وهو ما جعلها غير قادرة على امتلاك قابلة الاقتداء، بالرغم من الكثير من تلك الجهود كانت تمتلك القدرات الابداعية، والمهارات الفنية والخبرات المتخصصة المكتسبة من فضاءات أخرى.
لقد تحولت الممارسة الإعلامية، إلى مشجب تحمل عليه كل الاوزار، وتبرر به الاخفاقات، وبسرعة تكونت المواقف الانطباعية والسلوكات المزاجية تجاهه، وفي كل المناسبات، يتم تحميله أوزار آدم ومشكلات حواء، وهي الحالة الفيزيائية التي تجعل من كل فعل، رد فعل المزاجية في الممارسة الإعلامية، والانطباعية في العمل الصحفي، مساوي له في القوة ومعاكس في الاتجاه من المواقف والسلوكات، التي لا تجد أفضل منه، لجعله الفداء المقدس الذي يتطهر بدمائها كل عاصى متواري ومذنب متخفى.