البروفيسور العربي فرحاتي يكتب: فمن للعلم حارس ؟ غيرك يارب


البروفيسور العربي فرحاتي
إذا كان الحديث عن تدهور الأخلاق العامة المجتمعية غير وارد ولا يعار لها أي اهتمام باعتبارها من أخلاق الثقافة الدينية للمجتمع تقليدية وغير معاصرة،وقد أكل عليها الدهر وشرب، وصارت من الماضي، ولم تعد تهم الوضع الحضاري الجامعي ..فإن أخلاقيات الجامعة بوصفها أخلاق مهنية "اتيقا" باتت متأزمة هي الأخرى بما صار عليه الضمير المهني والعلمي من سقوط دراماتيكي عجيب .. 
ويبدو أن أزمة الضمير العلمي في جامعاتنا، لم تعد أزمة سلوكيات معزولة هنا وهناك، بل باتت شاملة وعميقة تطال جميع مكونات الجامعة بما في ذلك المكون المسؤول عن صدق المعرفة العلمية أمام العالم،..حيث مست بعمق أخلاقيات العلم ذاته، فضلا عن أخلاقيات المؤسسة كأفراد وفئات وتحصيل علمي، وأخاف ما أخاف أنها تكون قد باتت منظمة ومخطط لها ومهمة تتكفل بها جماعات نسميها (جمعيات الرداءة) التي أخذت طريق التسلق والبلطجة سبيلا للسطو على المكانة والرتبة العلمية منذ مدة، ولعلها هي الأن تدير المشهد كله ....فمن بلطجة المنظمات الطلابية التي نغصت علينا الحياة التدريسية، سيما مع غياب الحزم والتكفل الاداري بحماية ما أسميه "المواطنة الجامعية" وسقوط بعض المسؤولين أخلاقيا تحت الضغط في إنجاح هذا الطالب أو ذاك والتلاعب بالزمن البيداغوجي للمواد، والمساس بالحرية الأكاديمية للأستاذ، لنعيش سقوط أخلاقي رهيب لدى الباحث الأكاديمي وتهاوي أخلاق البحث العلمي إلى حده الخطير، فمازالت أخبار الغش والتدليس والسرقة والرداءة في البحوث العلمية الأكاديمية في الدكتوراه تتناقلها وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، مما يجعل جامعاتنا عارية أمام العالم ومعرضة للاستهتار من الكل،
ويزيدها بعدا بمسافات عن معايير جودة الجامعة والمعرفة العلمية والطعن في مصداقية الشهادة الاكاديمية، فكما قال أحدنا في منشور فايسبوكي " نحن من صدمة أخبار البلاجيا من الكتب والرسائل الجامعية، إلى صدمة البلاجيا من الويكيبيديا " وهو تطور خطيرباتجاه تعميق الأزمة إلى ما يشبه الاستهتار بقيم العلم وفضائح انتهاك حرمة المعرفة العلمية، لا يمكن وصفها إلا بفضائح إغتصاب صدقية العلم، لا تقل بشاعة عن فضائح إغتصاب المحارم ..وإذا كانت الظاهرة في طبيعتها " أخلاقية فردية " تضع الطالب الباحث المقترف لجرم السرقة العلمية في غفلة عن الجميع، المسؤول الأول والأخير عن هذه السرقات، إلا أن الأمر بهذا التفشي يجعل الوقوف عند اتهام الطالب الباحث الجاني وتحميله كامل المسؤولية، هو في أحسن الحالات بمثابة اتهام للحلقة الضعيفة في مسلسل السرقة وتقزيم للازمة، فتحييد المشرف على الرسالة العلمية وعدم تحميله مسؤولية جدية الإشراف في منع السرقات العلمية، وعدم تحمل اللجان والمجالس العلمية لمسؤولياتها في متابعة البحث من حيث مصداقية الرسالة العلمية، يؤشر إلى برمجة الوضع المناسب والميسر للسرقة العلمية،د ما دام الكل يتعمد التغافل ويصطنعه وربما يقننه،، ويبدو أن القوانين التي صدرت بشأن ظاهرة الغش والسرقات العلمية، لم تستطع أن تحد من الظاهرة أو حتى التخفيف منها كظاهرة وعزلها في نطاق الفعل السيء المحدود والضيق، ،،وإذ أننا نعلم أن القضاء عليها حلم، كحلم القضاء على الجريمة في أي مجتمع رغم تطبيق القوانين ورغم الوعظ والإرشاد والتربية ،، وكما نعلم أن التصدي لهذه الظاهرة - عند فضحها- بتشكيل ما يسمى ب"لجان التحقيق من الخبراء " في معظم الحالات تنتهي إلى " اللاحدث " وقد سبق لي أن عشت مثل هذا التزييف لحقائق
السرقة العلمية، عندما قدمت تقريرا بلغ الي للجهات المعنية حول سرقة علمية موصوفة، وتشكلت لجنة تحقيق وزارية ..وأول سؤال وجه إلي بصفتي المقدم للتقرير هو "هل يمكن يا أستاذ أن نكشف سرقة في بحوث العلوم الإنسانية " تعجبت حينها من السؤال، وردي كان، لماذا هذا السؤال ؟ وقلت نعم وبكل تأكيد يمكن أن نكشف عن السرقة العلمية في أي بحث أدبي أو اجتماعي أو انساني؟؟) وفهمت حينها أن الأمر كما يقال في دارجنا الاجتماعي(الماتش مبيوع) وفعلا كانت النتيجة "لاحدث " إن هذا الوباء وهذا التصرف حياله باللجان المبيوعة والمفبركة والمنتقاة من أجل قول "اللاحدث " لا يساعد على استرجاع كرامة العلم من هذا الانتهاك ولا لمصداقية المخرجات الجامعية من المعارف العلمية أو الكفاءات ، بقدر ما يساعد على تفريق دم العلم المغتال في جامعتنا على هيئات اختطفوها رجال الرداءة رغم محاولات الأفتكاك هنا وهناك، وأمام ورود أخبار عن هذه السرقات واستمرارها في كل جامعاتنا ، يجعلنا أمام ظاهرة يمكن أن نطلق عليها "الفساد الجامعي" بلغت مرحلة من التأزم ، لا يمكن السكوت عنها، وتقتضي انتفاضة وصحوة ضمير جماعية وتحمل مسؤولية إنقاذ جامعاتنا من هذا الفساد وهذا الوباء الذي يقصينا من الترتيب العالمي إن عاجلا أو آجلا.

- د العربي فرحاتي